مَنْ لا يعرف دور «جيرترود بيل» في العراق أثناء الانتداب البريطاني لن يتسنى له معرفة العهد الملكي والإتيان بفيصل الأول ملكاً عليه.
أوصاف غريبة ومسميات أطلقت عليها تعكس المهمات التي قامت بها، فهي «رحالة» و«عميلة»، رسمت حدود بلدان منطقة الخليج العربي. كانت أول رئيسة وزراء غير معلنة للعراق ومستشارة الملك فيصل الأول، ومؤسسة المتحف الوطني العراقي.
رسائل «المس بيل» إلى والدها خلال الفترة 1917 - 1926 أحد المصادر الأساسية لتاريخ العراق السياسي، وكانت شاهدة عيان للواقع الذي ساد العراق قبل ثورة العشرين.
تمتعت بذكاء حاد، عرفت أسرار البوادي والقبائل إلى جانب خبرتها بسلالات القبائل وزعاماتها منذ أن وجدت في البصرة عام 1916، أحبت العراق وماتت في بغداد ودفنت في المقبرة المسيحية عام 1926.
من أروع أعمالها الإنسانية والحضارية أنها وقفت وراء تشييد أول متحف وطني وملأته بأهم وأروع الأثريات الحضارية، لقد كان هذا المتحف، ويا للمصادفات العجيبة أول أهداف الاحتلال الأميركي ونهبه عام 2003.
لقد رسمت الخرائط الجغرافية والحدود بين الدول بمهارة جعلتهم يسمونها «صانعة الخرائط»، وكانت لها الكلمة العليا بتحديد حدود العراق ودول الخليج المجاورة.
أمامي كتابان، الأول بعنوان «جيرترود بيل ملكة الصحراء غير المتوجة» لمؤلفه «إتش في ونستون»، والكتاب الثاني «العراق في رسائل المس بيل» ترجمة جعفر الخياط.
تم الاحتفاظ بجميع أوراق «المس بيل» في جامعة نيوكاسل مع كل الصور والوثائق وإتاحتها للباحثين.
يضع لها المؤلف ونستون هذا التعريف: «إنها باحثة ومؤرخة وعالمة آثار ومكتشفة وشاعرة ومتسلقة جبال وبستانية وإحدى موظفات الإمبراطورية البريطانية العظمى المتميزات، لكن بقي الاسم هنا يصدح بعبارة واحدة (صانعة الملوك وحاكمة العراق)».
يوم وفاتها كتب عنها رئيس تحرير صحيفة التايمز: «تملك قوة نادرة في الشخصية، نافست كل الرجال الإنكليزيين الذين أحبوا الشرق وأصبح هوساً لهم».
هناك إجماع من معاصرين على أنها ذات معدن نادر بقوة الشخصية وبدورها في خلق دولة العراق، قال عنها لورنس: «كانت تغير اتجاهها في كل حين مثل ديك الرياح الحديدي الذي يوضع في المزارع لتحديد اتجاه الرياح».
ولعل كتاب «الرسائل» الذي ترجمه الخياط لا يقل أهمية عن مدونات الرحالة الأجانب أو «سجلات شركة الهند الشرقية» ومؤلفات رجالات السياسة العراقيين.
ومهما يكن من أمر «المس بيل» فقد أحبت بغداد وأهلها، وقاومت الحركة الصهيونية وكانت كارهة لوعد بلفور. تركت آثارها في عموم العراق، وقامت بإنشاء مكتبة السلام التي تحولت إلى نواة للمكتبة الوطنية، كما استحدثت وزارة الصحة.
استحقت لقب «الخاتون» من مركز مرموق قال عنها جون فيليبي: «كانت جميلة فاتنة فارعة الطول شقراء، سخّرت جمالها سلاحاً في مفاوضاتها مع زعماء العشائر والقبائل».