من يعرفني يعلم أنني لست مغرماً بالتقنيات المالية وتشعباتها المتعددة، وأفضل في معظم التعاملات سماع «طقة النوط» على أصوات إشعارات وتنبيهات التطبيقات مع كل عملية مالية.
ومع ذلك أحرص للعام الخامس على التوالي على حضور مؤتمر money tech السنوي لأسباب متعددة، أهمها عملي في جريدة الجريدة، وكذلك التقاط الصورة السنوية مع الأخ الكبير والزميل العزيز مدير التحرير في الجريدة الأستاذ ياسر السعدي.
غير أن المؤتمر هذا العام كان مختلفاً إلى حد كبير، ليس فقط من ناحية توسع محاوره، التي ناقشت ملفات أوسع مرتبطة بالتداعيات الاقتصادية واللوجستية لأزمة الحرب الإقليمية وتحديات التطورات التكنولوجية، بل لما لمسته من خلال حوارات جانبية ودية مع العديد من الزوار والحضور في المؤتمر.
تنوعت الحوارات على هامش المؤتمر مع أصدقاء وزملاء ومعارف و«مصادر صحافية» حول الأوضاع العامة الخارجية والداخلية والمخاوف والتوقعات والتنبؤات المستقبلية التي تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم المترتبة على الأعمال والتجارة، وأيضاً المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
في ممرات المؤتمر و«سوالفه» الجانبية تحدثت مع شرائح متعددة من أصحاب الأعمال، الثري منهم والمبادر وكذلك المضارب أو الذي «يطقطق بالسوق» وأيضاً الموظف، عن قضايا وقصص يصعب سردها بشكل مفهوم في المكالمات الهاتفية السريعة والمرتبكة أو رسائل الواتساب المختصرة والتي قد توصل الفكرة ناقصة أو مبتورة.
الثري يخشى انقلاباً مفاجئاً في الأحوال واستمرار حالة اللاسلم واللاحرب في المنطقة، والمضارب يشكو ارتفاع هوامش المخاطرة، والمبادر يعاني ويلات ارتفاع تكاليف الاستيراد وتعاظم أسعار الإيجارات، فضلاً عن تناقض التصريحات الحكومية تجاه الإجراءات البيروقراطية مع الحقيقة على أرض الواقع، وكذلك الموظف الذي بات الدينار الواحد «يفرق» في تنظيم مصروفاته الشهرية.
من يرى في الواقع فرصة؟ ومن يخشى من تحولات المستقبل؟ وهل الحرب الإقليمية ستفضي إلى واقع جديد للحياة أو العمل أو التجارة والأعمال؟ وما شكل هذا الواقع؟ هل سيكون أسوأ أم أفضل؟ هل الإجراءات والسياسات والقوانين المتسارعة أخيراً ستدعم الأوضاع الاقتصادية في البلاد أم لا؟ ماذا عن التضخم، سهولة الأعمال، الفرص؟
في الحقيقة لم تكن هناك إجابات وافية لجميع الأسئلة، بل إن بعضها حمل إجابات متناقضة سيطرت عليها حالة الضبابية وعدم اليقين، وكان معظمها يأتي على شكل مخاوف أو انعكاس لقلق وتوجس، لكن اللافت كان شفافية النقاشات ووضوح الحوارات والقدرة على التعبير عن المخاوف بنفس قدرة الآخرين على التعبير عن ارتياحهم ورضاهم.
لا تزال فكرة لقاء أعداد كبيرة من الناس بشكل مباشر دون قيود وسائل التواصل وجمود التكنولوجيا لها جاذبيتها ومصداقيتها وأيضاً شفافيتها، عندما تسمعها من شرائح متعددة من الناس.