في القرن الماضي صنعت جمهورية سنغافورة نظاماً تنموياً فريداً يُسمّى «الهندسة الاجتماعية»، وأثبتت للعالم من خلال تطبيقه العملي الحازم أنَّ السلوك الاجتماعي للأفراد والمجتمعات ليس جيناً وراثياً حتمياً لا يمكن الفكاك منه، بل هو ثقافة مجتمعية مكتسبة يمكن تغييرها وتوجيهها بالكامل، وقد ارتكز هذا النموذج التنموي على أدوات فاعلة شملت الحملات الدعائية التوعوية، وسن القوانين الصارمة، وتطبيق الغرامات المالية، ودمج العرقيات المختلفة في السكن العام لكسر العزلة المجتمعية. وخلال أقل من ثلاثين عاماً، تمكّنت سنغافورة من إجراء تغيير شامل أحدث فرقاً هائلاً في جودة الحياة اليومية وانعكس إيجاباً على معدلات الإنتاجية الوطنية، وصنع طفرة كبرى في التطور التعليمي والاقتصادي تدرّس تجربتها عالمياً اليوم في كبرى الجامعات والمعاهد الدولية. وما نعيشه الآن في دولة الكويت يمثّل تحوّلاً ملموساً ونقطة تحول حقيقية في حياة الناس بعد سنوات طويلة من الفوضى الإدارية والمجتمعية. ففي السنوات الماضية، كان الفساد ينخر ببطء في جسد الدولة ومؤسساتها حتى أفسد المجتمع وظهرت سلوكيات سلبية وممارسات لا تمتُّ لمفهوم الدولة الحديثة بصلة. فقد كان الناس يعتمدون على «الواسطة» والمحسوبية في إجراء معاملاتهم الحكومية، ويوظفون المكوّن الاجتماعي للوصول إلى العمل التطوعي وقيادة مؤسسات المجتمع المدني كالجمعيات والنقابات. وفي الوقت ذاته، كان بعض المسؤولين يجتهدون لتغليب الخدمة الخاصة والمصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة الكبرى، مما أدى إلى تراكم الإهمال وتجذره، ليكون التغيير اليوم أمراً عسيراً، ويصبح الانتهازيون في نظر البعض قدوة ومضرب مثل في العطاء والنجاح! إنَّ أوجه التشابه بين النموذج السنغافوري في بداياته، والنهج الكويتي الجديد تبدو كبيرة جداً، فبينما انطلقت سنغافورة في مشروعها القومي من ملف النظافة وفرض الغرامات الحازمة بالشوارع، بدأت خطوتنا الإصلاحية هنا من بوابة تشديد الغرامات المرورية، وملاحقة مخالفات التعديات في البلدية، وغيرها من القوانين والتشريعات التي من شأنها فرض هيبة القانون على الجميع بلا استثناء. إنَّ تقويم السلوك وإعادة الانضباط هما حجر الأساس الذي يصنع رجال دولة مخلصين يحملون الأمانة بكفاءة، وينشئ بالتالي أجيالاً واعية تقدّر قيمة العمل الجاد والانضباط الذاتي، وتحترم القانون وتنبذ مخالفيه.
مقالات - زوايا ورؤى
الهندسة الاجتماعية الكويتية
01-11-2026