يتباهى عدد كبير من الوزراء والقياديين والمسؤولين التنفيذيين بما يعتبرونه كفاءة وحسن إدارة لمؤسساتهم وأجهزتهم التابعة بشكل يثير جملة من التساؤلات حول مدى دقّة هذه التصريحات لو وضعت على مقاييس المحاسبة والرقابة والحوكمة، أو على الأقل وجود حد أدنى من مساحة المساءلة والانتقاد.
ففي ظل غياب الرقابة البرلمانية، ومنع نشر تقارير ديوان المحاسبة، وكذلك العديد من التقارير التنموية والمالية المعتادة، وتضاؤل قدرة الإعلام المحلي على النقد مهما يكن ارتباطه بالمصلحة العامة وحتى طرح الأسئلة، فمن الطبيعي أن يتباهى عدد من الوزراء والقياديين بإنجازات ليست بالضرورة واقعية، أو تحتاج إلى قدر أوسع من التساؤل والتقييم.
فمثلاً، عندما يحدثنا وزراء في أكثر من قطاع ومعهم قيادات في هيئاتهم وأجهزتهم التابعة عن التطبيق العادل والشامل للقانون على الجميع، أو كفاءة تقديم الخدمات دون تقصير، أو انخفاض في جرائم ومخالفات معيّنة، أو القدرة على تحقيق مستويات من التطور والنمو مع باقات متعددة من الوعود المستقبلية التي تتجدد سنوياً دون إنجاز أو بيان لنسب الأعمال أو الإنجاز، فمن الطبيعي أن يتساءل العاقل عن مدى حوكمة وشفافية هذه التصريحات، وكذلك مدى تقييمها من جهات مستقلة.
لست بصدد التشكيك أو تكذيب ما يقوله الوزراء والقياديون بشأن عدالتهم وكفاءتهم، رغم أن بعضهم بلغ مرحلة الإشادة بالنفس!
ومع ذلك، فمعظم المسؤولين ربما يكونون مجتهدين ويبذلون ما يتاح من جهد لتحقيق تطور معيّن، إنما المقصد أن تكون هناك آلية مستدامة وكفوءة لتقييم الأداء الحكومي بشكل مهني ومستقل، بحيث يضع نسباً وأهدافاً ومؤشرات تعزز من أدوات الرقابة والمحاسبة والشفافية والحوكمة، وتزيد تدفق البيانات والمعلومات، فضلاً عن حرية النقد والتقييم.
تاريخياً كانت الرقابة البرلمانية - حتى مع التحفظ عن بعض الممارسات - توفر هامشاً من رقابة الرأي العام على أعمال الجهاز التنفيذي، وكذلك كان نشر تقارير ديوان المحاسبة يعزز من فكرة تلافي تكرار المخالفات والملاحظات، وتضع حتى مسؤولي القيادات الوسطى تحت ضغط إصلاحها وعدم تكرارها كما كانت تقارير المالية والتنمية وبقية البيانات الاقتصادية أو الخدمية تشير إلى طبيعة التقدم أو الإخفاق في قطاعات متعددة، ويأتي ذلك كله مع تقييد لقدرات الإعلام المحلي في النقد وأحياناً حتى في التغطية الصحافية وإمكانية طرح الأسئلة بحُرّية.
لقد اختفت بعض مجالات الرقابة والتقييم، وضاقت مساحة بعضها الآخر، وصرنا نسمع تصريحات للمسؤولين عن الكفاءة والإنجاز مع الوعود المستقبلية، من دون أن تتوافر آلية واضحة للتحقق أو التقييم.