البنوك الكويتية تسحب نصف ودائعها من «المركزي»، ماذا يعني ذلك للمواطن والمقترض؟
بلغة واضحة... ما الذي حدث بالضبط؟
نشر في الصحف الكويتية، استناداً الى بيانات بنك الكويت المركزي وتقارير صندوق النقد الدولي، أنه في نهاية سبتمبر 2026، بلغ حجم أموال البنوك المحلية المودعة لدى «المركزي» 2.4 مليار دينار فقط، بعد أن كانت 4.8 مليارات في نهاية 2025، أي أن البنوك سحبت نصف هذه الأموال خلال 9 أشهر فقط.
ولعل السبب الرئيسي أنه في مارس 2026، قرر «المركزي» تخفيف القواعد التي تُلزم البنوك بالاحتفاظ بسيولة نقدية معيّنة، فبدلاً من إلزامها بالاحتفاظ بنسبة 100 بالمئة من متطلبات السيولة، خفّضها إلى 80 بالمئة، وخفّض النسبة الرقابية للسيولة من 18 إلى 15 بالمئة، وعليه، فإن البنوك لم تعد مضطرة لإبقاء هذه الأموال «مجمّدة» من خلال الودائع لدى «المركزي»، فأخذتها وأقرضتها للناس والشركات للحصول على عوائد مالية أفضل.
ولعل الدليل الواضح على هذا الإجراء هو ارتفاع حجم الائتمان الممنوح للمقيمين بنحو 3.4 بالمئة خلال الأشهر الـ 8 الأولى من 2026، وبمعنى آخر أن الأموال تحركت فعلاً من خزائن «المركزي» إلى جيوب المقترضين.
والسؤال المهم: لماذا فعل المركزي ذلك الاجراء؟
إن القارئ المهني في مجال الدراسات البنكية والاقتصادية يجد أن القرار جاء في ظروف جيوسياسية استثنائية، فالحرب أثّرت على صادرات النفط الكويتية، وتباطأ نمو الاقتصاد، واتسع العجز المالي إلى نحو 7 مليارات دينار في السنة المالية 2025/ 2026 (أي بزيادة 13 بالمئة)، وارتفع الدين العام خمسة أضعاف، وعليه، فإنه في ظل هكذا ظروف، فإن «المركزي» توجه بشكل احترافي ومهني الى دعم الإقراض حتى لا يتجمّد الاقتصاد، وكانت البنوك أصلاً تتمتع بهوامش سيولة مريحة تتجاوز المتطلبات، مما أعطى البنك المركزي مساحة مريحة للتحرك دون خوف من مخاطر فورية.
والسؤال الأساسي: أين المشكلة إذن؟
لعله من خلال الرؤية الاقتصادية الواعية، فإن المشكلة هي أن الوضع مؤقت بطبيعته، فبمجرد أن يعود «المركزي» إلى الحدود التنظيمية القديمة، ستضطر البنوك إلى إعادة بناء احتياطياتها النقدية، وهذا يعني أنها ستحتاج إلى اتخاذ أحد الإجراءين التاليين:
● إما تقليص الإقراض الجديد.
● أو جذب مزيد من الودائع من الشركات والمواطنين والمقيمين.
وفي كلتا الحالتين، قد يتباطأ نمو الائتمان الذي استفاد منه الاقتصاد في 2026، وبحساب بسيط يلاحظ أن الفجوة البالغة 2.4 مليار دينار تعادل نحو 5 بالمئة من إجمالي رصيد الائتمان في البلاد، أي أن هناك مساحة حقيقية لتباطؤ الإقراض عندما يبدأ «الوضع الطبيعي» في العودة.
ومن جهة أخرى، فإن العجز المالي المتوقع أن يصل إلى 20 بالمئة من الناتج المحلي في 2026/ 2027 يعني أن الحكومة نفسها ستحتاج إلى الاقتراض من البنوك، مما قد يزاحم المواطنين والشركات على الأموال المتاحة.
والسؤال الأهم: هل هناك خطر على أموال المودعين؟
بالتأكيد لا يوجد خطر، لأن البنوك لا تزال تتمتع برسملة قوية ونسب سيولة تتجاوز الحدود الدنيا، كما أن نسبة القروض المتعثرة في الجهاز المصرفي لا تتجاوز 1.19 بالمئة في الربع الأول من العام، وهي نسبة منخفضة تاريخياً، وعليه، فالمشكلة ليست في أمان الأموال، بل في وتيرة الإقراض المستقبلية وتكلفته.
وعليه، ومن باب المهنية في إدارة المخاطر والتحوط والشفافية، نعتقد ما يلي:
أولاً: على «المركزي» أن يعلن بوضوح جدولاً زمنياً تدريجياً للعودة إلى القواعد القديمة، بدلاً من إبقاء الوضع المؤقت مفتوحاً، حيث تشير الأحداث التاريخية الى أن الغموض يثبّط قرارات البنوك، ولذا يُقترح العودة على 3 مراحل مثل 90 ثم 95 ثم 100 بالمئة خلال سنة مالية.
ثانياً: من الضروري مراقبة أثر إعادة بناء السيولة على الإقراض شهرياً، حيث إن تباطؤ الائتمان إلى أقل من 2 بالمئة، سوف يؤدي الى تمديد الفترة الانتقالية.
ثالثاً: يجب تعزيز وتقوية الروابط والقرارات المالية بين وزارة المالية وبنك الكويت المركزي من خلال تنسيق إدارة الودائع الحكومية، حتى لا يؤدي الاقتراض الحكومي إلى تجفيف الأموال المتاحة للمواطنين والشركات.
رابعاً: ومن حيث المرونة للقرارات الاقتصادية يجب التعامل مع البنوك بشكل متمايز، حيث إن البنوك القوية تُمنح مرونة أكثر، والبنوك الأقرب للحدود الحرجة تُراقب عن كثب.
وبنظرة عامة وشمولية، فإن البنوك الكويتية استخدمت «مدخراتها الاحتياطية» لدى «المركزي» لدعم الإقراض خلال فترة صعبة، وهذا إجراء اقتصادي جيد في المدى القصير، لكنه يشبه استخدام صندوق الطوارئ، حيث إنه مهم ومفيد عند الحاجة، لكن يجب إعادة تعبئته. كما أن التحدي الآن هو أن تعيد البنوك بناء هذا الصندوق دون أن يتوقف الإقراض الذي يحتاجه الاقتصاد والمواطنون، كما أن النجاح في ذلك يتطلب تخطيطاً واضحاً وتنسيقاً بين السياسة النقدية والمالية.
ويتمثل التحدي السياسي الجوهري في كيفية استعادة شبكة أمان السيولة دون خنق الائتمان الذي يدعم الاقتصاد والعودة المرحلية، والمراقبة اللصيقة، والتنسيق بين المالية والنقدية، هي الأدوات الرئيسية لتحقيق التوازن بين هذين الهدفين. وإذا أُديرت العملية بفعالية، يمكن أن يتحول تحرير السيولة في 2026 إلى اختبار ضغط مُحكم، لا إلى نقطة انطلاق لمخاطر منهجية.
* مستشار اقتصادي في تطوير وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة