عند مدخل كثيرٍ من المباني منحدرٌ صغير بجانب الدرج. وُضع في المخطّط بسطرٍ واحد: ممرٌّ لمستخدمي الكراسي المتحرّكة. ثمّ قف عنده ساعةً، وانظر مَن يصعده. أمٌّ تدفع عربة طفلها. رجلٌ مسنّ يتّكئ على عصاه. عاملٌ يجرّ صناديقه. شابٌّ ساقه في الجبس منذ أسبوع. امرأةٌ تحمل حقيبةً أثقل منها. ويوماً ما، أنت.
بُني المنحدر لقلّة، فاحتاجه الجميع. وليست هذه مصادفةً في الهندسة. إنّها حقيقةٌ عن البشر وجدت طريقها إلى الأسمنت. قلتُ في أوّل هذه البوابة إنّ الفرق بيننا وبين من نسمّيهم هشّين فرق لحظة لا فرق قيمة. والمنحدر يقول ذلك بلا كلام: الخطّ بيننا وبينهم ليس جداراً، إنّه زمن. ومع ذلك نصرّ في لغتنا على الجدار. نقول «الفئات الهشّة»، بالجمع، وبضمير الغائب. نكتبها في عناوين البرامج، ونقرؤها في الاجتماعات، ولا يعدّ أحدٌ في القاعة نفسه منها. وأعرف هذه القاعات. جلستُ فيها ثلاثين عاماً، وسمعتُ «هم» تُقال عن أناسٍ كان بعضهم يجلس معنا، ولا يجرؤ أن يقول: أنا منهم. فالتسمية ترسم الخطّ، قبل أن ننتبه إلى أنّنا رسمناه. لهذا أقترح اسماً آخر: الإنسان الهشّ. بالمفرد، لأنّه يشمل مَن يتكلّم. وليس تصنيفاً جديداً بين الناس، بل وصفٌ للإنسان من حيث هو إنسان: كائنٌ يمكن أن يُجرح، وأن يُترك، وأن يحتاج يداً لم يطلبها. ولا يعني هذا أنّ الناس سواءٌ في حاجتهم الآن. فمَن قال إنّنا جميعاً هشّون ثمّ مضى، محا الذين يدفعون ثمن هشاشتهم اليوم. الهشاشة واحدة، وانكشافها مختلف. كالمطر يقع على الجميع، ولا يبتلّ إلا مَن لا سقف له. والسقف مالٌ ولغةٌ ومعارف، يملكه بعضنا، ويُحرَمه آخرون. ولا أقول: ابنوا المنحدر لأنّكم ستحتاجونه، أو لأنّ غير مَن بُني له ينتفع به. فذاك حساب، والحساب يُراجَع. يطمئنّ الشابّ إلى أنّ شيخوخته بعيدة، ويقلّ العدد في جدول الميزانية، فيسقط المنحدر مع أوّل مراجعة. ولو لم يصعده سواه، لكان بناؤه واجباً. أقول شيئاً أبسط: من رأى في الآخر هشاشته هو، لم يعد يستطيع أن يختصره في فئة. وهنا يتبدّل معنى ما تقدّمه المؤسسة. فهي لا تنحني نحو أقلّيةٍ ضعيفة، ولا تتفضّل على غرباء. إنّها تعترف بشيءٍ في الإنسان كلّه، ظهر في بعضهم قبل بعض. ولهذا لا تصمّم المؤسسة العادلة خدماتها لإنسانٍ قويٍّ متخيَّل، ثمّ تضيف للآخرين منحدراً في الهامش. إنّها تبدأ من الإنسان كما هو: يتعب، ويمرض، ويشيخ، ويُخطئ الطريق. والمنحدر لا يسأل مَن يصعده: أأنت منهم؟ يكفيه أنّ الدرج كان أعلى من خطوته. فالإنسان الهشّ ليس اسماً لغيرنا. إنّه اسمنا، قبل أن نعرف.