من المؤلم أن ترى إنساناً يعيش على أرض وطنه وينعم بخيراته وأمنه ثم يتحول إلى أداة تسهم في تدميره مدفوعاً بأيديولوجيات متطرفة ومعتقدات لا تخدم مصالح بلده ولا تحقق لشعبه سوى المزيد من الصراعات والخراب. والأشد إيلاماً أن يكون ولاؤه لجماعات مسلحة ترتبط بمشاريع خارجية، على حساب وطنه ومستقبل أبنائه.

إن ما شهده اليمن ولبنان والعراق خلال السنوات الماضية يقدم صورة واضحة لما يمكن أن تفعله الميليشيات المسلحة حين تصبح أقوى من الدولة وحين تتقدم الولاءات العابرة للحدود على الانتماء الوطني، فقد دفعت شعوب هذه البلدان أثماناً باهظة من دمائها وأمنها واقتصادها، بينما وجدت نفسها غارقة في أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية أنهكت الإنسان ودمرت مقومات الحياة.

ولا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه النظام الإيراني في دعم جماعات مسلحة بالمنطقة، وتوسيع نفوذه عبر حلفائه، الأمر الذي أسهم في تعقيد أزمات إقليمية وإضعاف مؤسسات الدولة في أكثر من بلد عربي. والمفارقة أن الشعارات التي تُرفع باسم المقاومة والدفاع عن المعتقدات لا تمنع الجوع عن طفل ولا تعيد نازحاً إلى منزله ولا تبني مدرسة أو مستشفى ولا تحمي اقتصاداً من الانهيار.

Ad

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يقبل بعض المواطنين العرب أن يكونوا جزءاً من مشروع يهدد أوطانهم ويضع مستقبل شعوبهم في خدمة مصالح دولة أخرى؟ وكيف يمكن تبرير حمل السلاح في وجه أبناء الوطن أو تدمير مؤسساته أو استنزاف ثرواته من أجل إرضاء قيادة خارجية لا تتحمل وحدها نتائج الحروب بل يدفع المواطن البسيط ثمنها من أمنه ورزقه وحياته؟

إن الاختلاف في الفكر أو التوجه السياسي لا يبرر الخيانة الوطنية، كما أن الإيمان بأي قضية لا يمنح أحداً الحق في تحويل بلده إلى ساحة للصراعات بالوكالة، فالأوطان ليست ملكاً للأحزاب والميليشيات بل هي ملك لشعوبها وسيادتها خط أحمر لا يجوز التفريط فيه.

إن الولاء الحقيقي يبدأ من الوطن، وإن قوة الشعوب تكمن في وحدتها لا في انقسامها وفي بناء دولها لا في هدمها.

لقد آن الأوان لمراجعة المواقف وتغليب صوت العقل وإدراك أن من يضع سلاحه في خدمة الخارج على حساب وطنه لا يحمي قضية بل يشارك في صناعة مأساة قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.

فهل آن الأوان لأن نضع أوطاننا أولاً قبل أن نخسرها جميعاً.