لم تعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررة في 3 نوفمبر المقبل، شأناً داخلياً يقتصر على التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين. فمع استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تكتسب نتائج الاقتراع أهمية تتجاوز واشنطن، وتمتد إلى حسابات طهران ومستقبل الحرب في المنطقة.

بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد تحدد الانتخابات حجم الدعم السياسي الذي يتمتع به داخل الكونغرس خلال العامين المتبقيين من ولايته. أما بالنسبة إلى إيران، فقد يؤثر تغير موازين القوى في واشنطن على قدرة الإدارة الأميركية على مواصلة العمليات العسكرية، وعلى فرص التوصل إلى تسوية تنهي المواجهة.

لكن العلاقة بين الانتخابات والحرب ليست مباشرة. ففوز الجمهوريين لا يعني بالضرورة استمرار التصعيد، كما أن فوز الديمقراطيين لا يضمن وقف العمليات العسكرية. وبين الاحتمالين، تتداخل الاعتبارات الانتخابية مع الحسابات العسكرية والدبلوماسية لكل من واشنطن وطهران.

Ad

لماذا تهم انتخابات 3 نوفمبر في حسابات الحرب؟

يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع في الثالث من نوفمبر لاختيار جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً، إلى جانب 35 مقعداً في مجلس الشيوخ، لتحديد موازين القوى في الكونغرس الجديد الذي يبدأ أعماله في يناير 2027.

وتكمن أهمية الانتخابات في أن الكونغرس يمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية ومالية تؤثر في السياسة الخارجية والقرارات العسكرية، من بينها إقرار الإنفاق الحكومي والعسكري، ومساءلة المسؤولين عن أهداف العمليات العسكرية وتكاليفها.

وبينما يتولى الرئيس قيادة القوات المسلحة الأميركية، يملك الكونغرس أدوات دستورية وقانونية للتأثير في استمرار العمليات العسكرية وتمويلها، وإن كانت قدرة المشرعين على فرض قيود فورية على الرئيس تخضع لتوازنات سياسية وقانونية معقدة.

وعليه، فإن نتائج الانتخابات لن تحدد وحدها ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل الحرب مع إيران، لكنها قد تؤثر في الكلفة السياسية التي يتحملها ترامب عند اتخاذ قراراته المقبلة.

ماذا لو احتفظ الجمهوريون بالكونغرس؟

إذا احتفظ الحزب الجمهوري بأغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ، فقد يتمتع ترامب بهامش سياسي أوسع لمواصلة سياسته تجاه إيران، مع تراجع احتمالات مواجهة معارضة مؤسسية قوية من قيادة الكونغرس.

وقد يسهل استمرار الأغلبية الجمهورية إقرار بعض أولويات الإدارة في الإنفاق والدفاع، ويحد من قدرة الديمقراطيين على فتح تحقيقات أو فرض جلسات مساءلة من خلال رئاسة اللجان البرلمانية.

غير أن استمرار سيطرة الجمهوريين لا يعني غياب الخلافات داخل الحزب بشأن الحرب أو تكاليفها، ولا يمنح الإدارة تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة العسكرية.

كما أن الاحتفاظ بالأغلبية لا يحسم الخيار الذي سيتبناه ترامب بين مواصلة الضغط العسكري والتفاوض مع طهران؛ إذ قد يرى في التفوق السياسي الداخلي فرصة لفرض شروط أكثر تشدداً، أو للتحرك نحو اتفاق يستطيع تقديمه باعتباره إنجازاً لإدارته.

ماذا لو فاز الديمقراطيون بأحد المجلسين؟

قد يؤدي انتقال السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين إلى زيادة الضغوط السياسية والرقابية على الإدارة الأميركية، ولا سيما بشأن أهداف الحرب مع إيران وتكاليفها ومدتها.

وسيكون بمقدور الديمقراطيين، إذا سيطروا على أحد المجلسين، استخدام أدوات الرقابة البرلمانية للمطالبة بتفسيرات أكثر تفصيلاً بشأن العمليات العسكرية، واستدعاء مسؤولين في الإدارة، ومحاولة التأثير في الاعتمادات المالية المتعلقة بالحرب.

لكن ذلك لا يعني امتلاكهم القدرة على وقف العمليات العسكرية تلقائياً.

فصلاحيات الرئيس في قيادة القوات المسلحة، إلى جانب القيود الإجرائية والتشريعية داخل الكونغرس، تجعل من الصعب اختزال مستقبل الحرب في نتيجة انتخابية واحدة.

وثمة عامل آخر لا يقل أهمية: فالكونغرس المنتخب في نوفمبر لن يتسلم صلاحياته إلا في يناير المقبل، ما يترك فترة فاصلة تستطيع خلالها الإدارة اتخاذ قرارات عسكرية أو دبلوماسية قبل تغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية.

هل تمنح خسارة الجمهوريين ترامب مخرجاً نحو التسوية؟

تطرح خسارة الجمهوريين المحتملة أحد أكثر السيناريوهات تعقيداً: هل تدفع ترامب إلى تشديد المواجهة مع إيران، أم تمنحه مبرراً سياسياً للبحث عن تسوية؟

وفق أحد التفسيرات الممكنة، قد يستخدم الرئيس تغير التوازنات داخل الكونغرس لتبرير اتفاق لا يحقق جميع الأهداف التي أعلنتها واشنطن، عبر تقديمه باعتباره خياراً واقعياً في ظل القيود السياسية الجديدة، وليس تراجعاً أمام طهران.

وفي المقابل، قد يدفعه فقدان الأغلبية إلى محاولة تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية قبل بدء عمل الكونغرس الجديد، بما يعزز موقعه التفاوضي ويتيح له تقديم نتائج ملموسة لأنصاره.

ولا توجد معطيات كافية للجزم بأن ترامب سيتبنى أياً من هذين المسارين. لكن الاحتمالين يوضحان كيف يمكن لنتيجة الانتخابات أن تؤثر في طريقة تسويق القرارات المتعلقة بالحرب داخلياً، حتى لو لم تغير الأهداف الاستراتيجية الأميركية بصورة جوهرية.

على ماذا تراهن طهران؟

في المقابل، تنظر إيران إلى الانتخابات الأميركية باعتبارها عاملاً قد يؤثر في الحسابات السياسية لإدارة ترامب، خصوصاً إذا أصبحت كلفة الحرب قضية خلافية داخل الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، كشف مصدر إيراني في «فيلق القدس» لـ«الجريدة» أن طهران تدرس تصعيداً خلال الفترة الفاصلة بين الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات الكونغرس الأميركي، إذا لم تتعرض لهجوم أميركي أو إسرائيلي قبل موعد الاقتراع الإسرائيلي.

وبحسب المصدر، فإن أحد أهداف هذا التصعيد المحتمل هو زيادة الضغوط السياسية على ترامب والجمهوريين قبل انتخابات الثالث من نوفمبر.

وتعكس هذه الرواية، التي لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة، تقديراً إيرانياً مفاده أن استمرار التوتر الإقليمي قد يرفع الكلفة السياسية للمواجهة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية.

غير أن هذا الرهان يحمل مخاطرة واضحة: فالتصعيد الذي تقصد منه طهران الضغط على واشنطن قد يمنح ترامب، في المقابل، مبرراً لتوسيع العمليات العسكرية.

ومن هنا تبرز أهمية توقيت التحركات الإيرانية، وليس حجمها وحده.

لماذا يختلف توقيت التصعيد بالنسبة إلى حلفاء إيران؟

لا تقتصر الحسابات الإيرانية، وفق المعلومات التي حصلت عليها «الجريدة»، على الانتخابات الأميركية، بل تشمل أيضاً موعد الانتخابات الإسرائيلية وتأثير أي مواجهة جديدة في نتائجها.

فقد أفاد مصدر «فيلق القدس» بأن طهران أبلغت حلفاءها في لبنان والعراق بتوجيهات تختلف بحسب توقيت استئناف الحرب.

وبحسب روايته، تقضي هذه التوجيهات بتجنب الانخراط في مواجهة جديدة إذا اندلعت قبل الانتخابات الإسرائيلية، خشية أن يصب التصعيد الإقليمي في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتخابياً.

أما إذا تجددت الحرب بعد الانتخابات، فتتضمن الحسابات الإيرانية احتمال مشاركة حلفائها في المواجهة بصورة متزامنة.

وتشير هذه المعلومات، إذا صحت، إلى أن طهران لا تفصل بين حسابات الميدان العسكري والتوقيت السياسي في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

لكنها تبقى معلومات منسوبة إلى مصدر إيراني، ولا تمثل تأكيداً مستقلاً لصدور أوامر نهائية أو اتخاذ قرار ببدء عمليات عسكرية.

ماذا يريد ترامب من إيران؟

بعيداً عن نتائج الانتخابات، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بالأهداف التي تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيقها من المواجهة.

فهل يهدف ترامب إلى فرض ترتيبات تحد من القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وتقلص نفوذ طهران الإقليمي؟ أم أن التصعيد العسكري يمثل وسيلة للضغط من أجل اتفاق سياسي جديد بشروط أفضل لواشنطن؟

قد يتداخل المساران بدلاً من أن يكونا خيارين منفصلين. فالضغط العسكري يمكن أن يُستخدم لتعزيز الموقف التفاوضي، فيما قد يؤدي استمرار المواجهة إلى رفع كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية على الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي هذه الحالة، تصبح الانتخابات عاملاً إضافياً في تحديد توقيت أي قرار أميركي، من دون أن تكون العامل الحاسم الوحيد.

وماذا تريد طهران؟

في المقابل، تتمحور الحسابات الإيرانية حول تجنب تهديد وجودي للنظام، ومنع تجدد الهجمات، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من أوراق القوة العسكرية والسياسية والتفاوضية.

ويأتي البرنامج النووي في مقدمة الملفات التي يمكن أن تحدد شكل أي اتفاق محتمل، إلى جانب العقوبات الأميركية والدور الإقليمي لإيران وترتيبات الأمن في الخليج.

كما يمثل مضيق هرمز عنصراً حساساً في حسابات المواجهة، نظراً إلى أهميته لحركة الطاقة والتجارة العالمية، وما قد يترتب على أي تعطيل للملاحة فيه من تداعيات اقتصادية تتجاوز المنطقة.

وتواجه طهران معادلة صعبة: فالتنازل عن بعض أوراقها قد يفتح الباب أمام تسوية، لكنه قد يُفسَّر داخلياً باعتباره إضعافاً لموقعها. وفي المقابل، فإن التمسك بجميع مطالبها قد يطيل أمد المواجهة ويزيد احتمالات تعرضها لضغوط عسكرية واقتصادية جديدة.

هل تقرّب الانتخابات نهاية الحرب أم جولة جديدة من التصعيد؟

تفتح انتخابات الكونغرس الأميركي الباب أمام ثلاثة مسارات محتملة.

الأول، استمرار الضغط العسكري الأميركي، خصوصاً إذا رأت إدارة ترامب أن ميزان القوى الميداني يسمح بانتزاع تنازلات إضافية من طهران.

والثاني، انتقال المواجهة تدريجياً نحو التفاوض، إذا اعتبر الطرفان أن كلفة استمرار الحرب تتجاوز المكاسب الممكنة منها.

أما الثالث، فهو تصعيد جديد خلال الفترة الفاصلة بين الانتخابات وبدء أعمال الكونغرس الجديد، في محاولة من أحد الطرفين لتحسين موقعه قبل أي تفاوض لاحق.

ولا يمكن ترجيح مسار بعينه اعتماداً على نتائج الانتخابات وحدها؛ إذ ستظل التطورات العسكرية، ومواقف إسرائيل وحلفاء إيران، والوساطات الإقليمية، وشروط أي اتفاق محتمل، عوامل مؤثرة في القرارات المقبلة.

وبالنسبة إلى دول الخليج، لا تتعلق المسألة بنتائج الانتخابات الأميركية في حد ذاتها، بل بما قد يترتب عليها من تغير في وتيرة المواجهة، وأمن الملاحة والطاقة، واستقرار المنطقة.

في المحصلة، قد تغير انتخابات الثالث من نوفمبر البيئة السياسية التي يتخذ فيها ترامب قراراته بشأن إيران، لكنها لن تنهي الحرب أو توسعها تلقائياً.

فالانتخابات قد تعيد رسم حدود المناورة السياسية، أما مصير المواجهة فسيبقى مرهوناً بما تقرره واشنطن وطهران، وما يحدث على الأرض.