قبل أن تقرأوا هذا المقال، اسمحوا لي بوقفة صغيرة؛ لم أعتد أن أكتب عن ممثل، ولا أن أشيد بفنان، ولا أن أحرص كل هذا الحرص على إيصال ما أشعر به.

لكنّ الفنان محسن محيي الدين استحق أن أكسر هذه القاعدة، وأن أكتب لأول مرة عن رجل من رجال الفن، بكل ما تحمله الكلمة من صدق.

في مسلسل «بنج كلي»، لا يكتفي محيي الدين بتقديم شخصية د. فؤاد منصور، بل يمنحنا درسا في الإنسانية والبساطة، ويؤكد أن الفنان الحقيقي لا يشيخ، بل تزداد موهبته نضجا وعمقا مع كل دور.

Ad

طبيب الغلابة... شخصية من صميم الواقع

شخصية مدير مستشفى الأمل الحكومي، د. فؤاد منصور، استلهمها المؤلف محمد سليمان عبدالمالك من نموذج «طبيب الغلابة»: رجل كبير في السن، زاهد في الدنيا، لا يبحث عن مال ولا شهرة، بل كرّس حياته لرعاية الفقراء والدفاع عنهم.

ويجسّد محسن هذه الشخصية بتلقائية نادرة، فيرسم بملامحه الهادئة ونبرة صوته الحنونة ملامح طبيب يحمل هموم مرضاه قبل أن يحمل سماعته الطبية. لا يصرخ، ولا يبالغ، ولا يستجدي تعاطف المشاهد؛ يكفيه أن يكون صادقا.

«السهل الممتنع»... أداء أشاد به الجمهور

ما يميز أداء محسن محيي الدين في هذا الدور هو قدرته على تقديم المشاعر المُعقدة دون مبالغة أو انفعال زائد. وصفه المتابعون بـ «السهل الممتنع»؛ حيث تخفي بساطة أدائه خبرة طويلة في التحكم بالانفعالات وبأدق تفاصيل الشخصية.

وتجلّى ذلك بوضوح في مشاهد إنكاره إصابته بمرض خطير، ورفضه لاهتمام الأطباء من حوله، في أداء مؤثر لامس قلوب المشاهدين، وذكّرنا بأن أعمق الحالات الإنسانية لا تحتاج إلى ضجيج.

فتى الأحلام... رحلة لا تنسى

قبل أن يجسد شخصية الطبيب الحكيم، كان محيي الدين «فتى أحلام» جيل كامل في الثمانينيات. بدأ مشواره الفني طفلا في برامج الأطفال، ليكتشفه المخرج العالمي يوسف شاهين ويقدّمه في أفلام خالدة، مثل «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية».

كانت ملامحه السمراء وابتسامته العذبة كفيلة بإذابة قلوب الفتيات، بينما أظهر في أدوار الشاب الشقي خفة ظل وحيوية جعلته نموذجا للشباب المصريين الأصلاء. تلك المرحلة لم تكن مجرّد نجومية عابرة، بل أساسًا فنيًا صلبا بني عليه حضورا لم يبهت.

خلاصة... فنان يثبت أن الموهبة لا تُطوى بالغياب

بعد فترة اعتزال وعودة، أثبت محيي الدين أن الموهبة الحقيقية لا تتأثر مهما طال الغياب. في «بنج كلي» يقدّم دورا يليق بمسيرة حافلة، ويذكّرنا بأن بعض النجوم لا يهرمون أبدا، بل يتحولون ببساطة وصدق من «فتى أحلام» إلى «طبيب الغلابة».

وفي النهاية، ربما كان هذا المقال هو المرة الأولى التي أكتب فيها عن ممثل، لكنني أجزم أنه لن يكون الأخير ما دام في الفن مَن يستحق.