منذ اللحظات الأولى لرحلتي في أبوظبي، أدركت أن التخطيط لإجازة عائلية هنا لا يعني الاختيار بين الترفيه والثقافة؛ فبإمكان اليوم الواحد أن يحمل أكثر من حكاية، وأن يجد كل فرد في الأسرة ما يجذبه، كنت أتنقل بين التجارب وأنا أفكر في تلك المسافة التي تقطعها الرحلة الناجحة بين متعة الأطفال وفضول الكبار، وكيف يمكن لوجهة واحدة أن تجمعهما دون أن يشعر أحد بأنه يتنازل عن اهتماماته.

حديقة الفراشات 

بدأت مغامرتي من حديقة الفراشات في أبوظبي، حيث يصبح الاقتراب من الطبيعة تجربة مختلفة، تتطاير حولك الفراشات بألوانها المبهجة في كل مكان، لتجد نفسك تلاحقها بخفة ورشاقة، محاولاً لمس الطبيعة في أزهى نقوشها، ثم انتقلت إلى الأكواريوم الوطني في أبوظبي، في منطقة القناة، لأجد نفسي أمام عالم مائي يفتح نافذة على تنوّع الكائنات البحرية والبيئات التي تعيش فيها، لم تكن التجربة مجرد مشاهدة؛ بل فرصة لطرح الأسئلة، والتأمل في عالم لا نراه كل يوم، وهو ما يجعل هذه الأماكن مناسبة للأطفال الذين يتعلمون أحياناً بالدهشة أكثر مما يتعلمون بالشرح، وللكبار الذين يبحثون عن مساحة من الصفاء وسط عالم ممتلئ بالضجيج.

Ad

تجربة فنية

لكن أبوظبي لا تكتفي بأن تضع الطبيعة أمام زوارها؛ فهي تعرف أيضًا كيف تنقلهم إلى عوالم لا تشبه الواقع المألوف، في TeamLab Phenomena، وجدت نفسي أمام تجربة فنية تفاعلية تتداخل فيها الأضواء والألوان والصوت والحركة، وتصبح فيها استجابة الزائر جزءًا من المشهد، هنا لا يقف المرء أمام عمل فني فحسب، بل يدخل إلى مساحة تتغير مع الحركة والتفاعل، وهي تجربة تذكّرنا بأن الفن لم يعد حبيس اللوحات والقاعات، وأن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة لإثارة الخيال وفتح أبواب جديدة أمام الأطفال والكبار، ويقع المركز ضمن منطقة السعديات الثقافية، التي تجمع مؤسسات فنية وثقافية مختلفة. 

الديناصورات وملايين السنين

وفي متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، اتسعت الحكاية لتشمل تاريخ الحياة والأرض والكون، هنا تجمع الدهشة بين الكبير والطفل دون تفرقة، فالطفل يجد الخيال وعالم الكرتون والرسوم المتحركة ذات الأصول الواقعية الملموسة، فتزداد دهشته إلى حد الانبهار، والكبير يجد نفسه في عالم أوسع وأقدم بكثير مما يستوعبه العقل البشري، حين يقف مشاهدا ملايين السنين محفورة على هيكل أحد الديناصورات الضخمة، لذلك أرى أن المتاحف العلمية ليست محطات إضافية في البرنامج السياحي، بل استثمار ممتع في فضول الصغار وشغف الكبار معا.

آلة الزمن

وفي السعديات أيضًا، يتيح الحي الثقافي فرصة للتنقل بين تجارب مختلفة في الفن والتاريخ والهوية، ومن أبرزها متحف اللوفر أبوظبي وتصميمه العجيب على شكل مدينة مصغرة تشبه أرخبيلا في البحر على متنه 55 مبنى أبيض، كالمنازل العربية القديمة، و23 صالة عرض دائمة تقدم تحفا فنية تروي قصصا من الحقب التاريخية المختلفة التي مرت بها البشرية، وصولا إلى الوقت الحاضر.. في «اللوفر أبو ظبي» أنت على متن آلة الزمن في عالم من الإبداع البشري على مر العصور.

متحف زايد الوطني

للإمارات حكايتها الخاصة بمذاقها الخليجي والعربي وأصولها التاريخية، هذا ما تشاهده محفورا على جدران متحف زايد الوطني، وأداة حجرية عمرها 300 ألف عام عُثر عليها في جبل حفيت بالعين، ففي كل زاوية قصة وطن تسرده الحكاية الإنسانية للشعب الإماراتي على مر العصور، لترى كيف تكون المشهد والهوية الإماراتية عصرا تلو الآخر منذ آلاف السنين، وصولا إلى واقع أبهر العالم وأصبح حكاية مدوية لعقود.

ولأن الرحلة لا تكتمل بالمتاحف وحدها، فقد كان للصورة البانورامية نصيبها من يومي في منصة المراقبة على ارتفاع 300 متر في أبراج الاتحاد، من هذا الارتفاع، تبدو المدينة كأنها تعيد ترتيب تفاصيلها، فتمنح الزائر فرصة للتوقف قليلًا والتأمل في اتساع المشهد. إنها واحدة من تلك اللحظات التي تذكّرني بأن السفر لا يتعلق دائمًا بكثرة الأنشطة، بل أحيانًا بالمساحة التي نمنحها لأنفسنا لنرى المكان من زاوية جديدة.

عالم فيراري

ثم جاءت المغامرة الصاخبة في جزيرة ياس، حيث تنتظر العائلات تجارب ترفيهية مختلفة في عالم فيراري أبوظبي وعالم وارنر براذرز أبوظبي، هنا تتبدل وتيرة اليوم؛ فالحماس والحركة وشخصيات عالم مارفل الشهيرة والألعاب المختلفة تجعل المكان مناسبًا لمن يبحثون عن يوم مليء بالطاقة، وبالنسبة إلى الأسرة، فإن وجود أكثر من خيار ترفيهي في وجهة واحدة يساعد على تنويع البرنامج وفق أعمار الأبناء واهتماماتهم، مع ضرورة تخصيص وقت كافٍ لكل مكان بدل محاولة استيعاب كل شيء على عجل.

أكبر مساجد العالم

ومع كل هذا الصخب، احتجت إلى لحظة مختلفة تعيدني إلى معنى المكان وروحه، وجدت ذلك في جامع الشيخ زايد الكبير، سادس أكبر مسجد في العالم، بمساحة 22 ألف متر، بسعة 40 ألف مصلٍّ، أبهرتني قبته الأكبر في العالم وسجادته التي تجاوزت 5 آلاف متر كأكبر سجادة يدوية في العالم، وغيرها من التفاصيل التي تفرضها العمارة المهيبة وتفاصيل فنون الزخرفة الإسلامية حضورها، ويصبح الهدوء جزءًا من التجربة، لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد زيارة معلم شهير، بل وقفة للتأمل في جمال العمارة الإسلامية وما تحمله من دلالات روحية وثقافية. وهنا تحديدًا تظهر ميزة أبوظبي: أنها لا تحصر زائرها في نمط واحد من السياحة، بل تتيح له أن ينتقل من اللعب إلى المعرفة، ومن الحركة إلى السكينة.

العين... والتراث العالمي لـ «يونسكو»

بعد إيقاع أبوظبي المتجدد، حملتني الرحلة إلى العين، حيث شعرت بأنني أنتقل إلى فصل آخر من الحكاية. لا تختفي الحداثة هنا، لكنها تتراجع قليلًا لتفسح المجال أمام الخضرة والطبيعة والتاريخ والملامح التي تحفظ ذاكرة المكان.

في واحة العين، كانت التجربة أقرب إلى استراحة من ضجيج المدن، وسط النخيل والممرات، يصبح المشي نفسه نشاطا ممتعا، وتبدو الواحة أكثر من مساحة خضراء؛ فهي شاهد على علاقة الإنسان بالماء والزراعة وقدرته على التكيف مع بيئة الصحراء، وقد أدرجت الواحة ضمن مواقع العين الثقافية المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ «يونسكو»، بما تمثله من قيمة تاريخية وبيئية. 

جبل حفيت 

أما جبل حفيت، فكان وجها آخر للعين؛ وجها يرفع الرحلة نحو مشهد أوسع، ويمنح الطريق نفسه قيمة تستحق الاستمتاع بها. في الرحلات العائلية، أحب الأماكن التي تجعل الوصول إليها جزءا من المغامرة، لا مجرد وسيلة للوصول إلى نقطة على الخريطة، والجبل من هذه الأماكن التي تتيح للزائر أن يرى الطبيعة من منظور مختلف، وأن يلتقط أنفاسه بعيدًا عن ازدحام الأنشطة.

ولكي أفهم حكاية المدينة بصورة أعمق، تنقلت بين محطاتها التراثية والثقافية، من قصر المويجعي إلى بيت الشيخ محمد بن خليفة، مرورا بمتحف العين ومركز القطارة للفنون، في هذه المواقع، لا يكون الماضي مجرد تواريخ محفوظة، بل تفاصيل عن حياة الناس وعمارتهم وعاداتهم وتحولات مجتمعهم، وخاصة قصر المويجعي الذي يكتسب أهمية خاصة في تاريخ الإمارات؛ فقد كان مقرًا للحكم ومكانًا لاجتماع المجتمع، كما ارتبط بحياة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وعائلته. 

Farm 13

وفي مزرعة Farm 13، أخذت الرحلة منحى أكثر ارتباطا بالأجواء الريفية والطبيعة، مساحة إضافية للاستمتاع بالهواء الطلق، والحيوانات المتنوعة مثل ركوب الخيل وزيارة بيت القطط والسلاحف والطيور وقضاء وقت وسط الخضرة والأشجار وتناول الطعام على وقع أنغام الشلال والعصافير، أحيانا تأتي أجمل اللحظات في بساطتها والتناغم مع الطبيعة والاستماع إلى أصواتها حين نترك مساحة للمشي والحديث واللعب، بعيدًا عن سباق الانتقال من مكان إلى آخر.

أما الإقامة في منتجع تلال العين، فكانت جزءًا مهمًا من تجربة العين، لا مجرد محطة سياحية، فالأجواء الصحراوية تمنح الرحلة طابعًا مختلفًا، وتفتح المجال لأنشطة تضيف إلى الإجازة روح المغامرة، ومع ركوب الجمال والانطلاق في تجربة الزيب لاين، ثم جولة المركبات المخصصة للطرق الوعرة، فضلا عن مشاهدة الغزلان تتجول حولك في كل مكان في قلب محمية تعود بك إلى أحضان الطبيعة، ليصبح المكان مساحة لاختبار شيء جديد، والخروج إلى أجواء فريدة من نوعها.

رحلة واحدة وذكريات للجميع

عدت من أبوظبي والعين بانطباع واضح: نجاح السياحة العائلية لا يقاس بعدد الأماكن التي نزورها، بل بقدرتها على جمع أفراد الأسرة حول تجارب مشتركة، مع احترام اختلاف اهتماماتهم وأعمارهم.

في أبوظبي، وجدت تنوعًا واسعًا بين المتاحف والتجارب التفاعلية ومدن الألعاب والمعالم المعمارية؛ وفي العين، وجدت مساحة أهدأ تجمع الطبيعة والتراث والمغامرة وأفراد الأسرة حول مكان واحد وخيارات متنوعة.

في النهاية، لم تكن أبوظبي والعين بالنسبة إليّ مجرد وجهتين اجتمعت فيهما قائمة طويلة من المعالم؛ بل كانتا حكايتين متكاملتين، إحداهما تحتفي بالمستقبل والابتكار، والأخرى تفتح أبوابها على الذاكرة والطبيعة. وبينهما وجدت أن أجمل ما تمنحه الرحلة تلك اللحظات التي تتحول إلى ذكريات جميلة لا تنسى.

40 فعالية فنية وترفيهية خلال الموسم

كشفت أجندة أبوظبي عن برنامج حافل بأكثر من 40 فعالية فنية وترفيهية خلال الموسم الشتوي 2026- 2027.

ويتضمن الموسم حفلات فنية ضخمة منها «يا سلام»، بعد سباق جائزة الاتحاد للطيران الكبرى للفورمولا 1 في أبوظبي، بمشاركة لويس كابالدي وأليكس وارين، إلى جانب أمسيات يحييها أنيما وتامر حسني وتامر عاشور، وحفلات ليالي السعديات على المسرح المفتوح لجزيرة السعديات، وحفلات الكوميديا في موسم أبوظبي للكوميديا بمشاركة راسل بيترز ومورغان جاي ومو عامر وماز جبراني، وغيرهم.

ويعود بينالي أبوظبي للفن هذا العام، ابتداء من 23 الجاري في منطقة العين، و15 نوفمبر في أبوظبي، وذلك قبل أيام من الافتتاح الضخم لمتحف جوجنهايم العالمي 11 ديسمبر المقبل في قلب المنطقة الثقافية في السعديات.

وتنعقد القمة الثقافية في أبوظبي من 8 إلى 10 ديسمبر المقبل بالسعديات، بمشاركة نخبة من القادة الثقافيين والفنانين وصنّاع السياسات والمفكرين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم.

وتستعد أبوظبي للموسم بمجموعة متنوعة من المهرجانات والمعارض كمهرجان الحرف والصناعات التقليدية ونوماد أبوظبي وفريز أبوظبي ومهرجان الحصن ومهرجان التراث البحري ومهرجان أم الإمارات والذكرى السنوية الأولى لإعادة افتتاح متاحف العين والتاريخ الطبيعي وزايد الوطني.

ويستمتع عشاق الرياضة بفعاليات متنوعة بين أسبوع أبوظبي للتحدي في الفنون القتالية المختلطة، وسباق جائزة الاتحاد للطيران الكبرى للفورمولا 1 في أبوظبي ومهرجان ليوا الدولي 2027 في أحضان «قرية ليوا» وأجواء التراث الإماراتي.