هذه المقالة موجهة إلى المقبلين على الأربعين، وإلى مَنْ وصلوا إليها بالفعل، وأقول لهم بهدوء: لا تقلقوا، فـ «الأربعين» ليست نهاية الصداقة، لكنها غالباً نهاية الاعتقاد بأن ليس كل مَنْ يبتسم لك فهو صديق، وأنه ليس كل مَنْ غاب عنك قد دخل في غياهب النسيان، ففي هذا العُمر تبدأ بإعادة ترتيب حياتك، وتكتشف أن هاتفك مزدحم بأسماء كثيرة، لكنك حين تحتاج إلى شخصٍ يطمئن عليك لا تحتاج إلى مؤتمرٍ عام، بل إلى صديقٍ واحد يقول: «أبشر، تم، أنا حاضر»، وتُصبح أكثر دبلوماسية في اختيار معاركك، فتعتذر عن بعض اللقاءات بحجة الانشغال، فيما الحقيقة أنك تُريد أمسيةً هادئةً وقهوة لا تتطلَّب منك شرح جدولك، ولا يعني ذلك أنك صِرت أقل اجتماعياً، بل أصبحت أكثر معرفة بما يناسبك.

فالصداقة ليست بعدد السنوات التي تجمع بين اثنين، ولا بعدد الصور والرحلات والمناسبات التي ظهرا فيها معاً، بل إنها أمان متبادل، وصدق لا يحتاج إلى استعراض، وحضور يظهر حين تضيق المسافة بين الكلام والفعل. وبعد الأربعين تتغيَّر النظرة إلى هذه العلاقة، فيصبح المرء أقل ميلاً إلى الصخب، وأكثر تقديراً لمَنْ يفهم صمته ولا يفسِّر انشغاله إهانة، ولمَنْ يفرح لنجاح الآخرين من غير مقارنة، وينصح من غير رقابة ولا وصاية. فالصديق القريب ليس بالضرورة أن يعرف كل تفاصيل يومك، بل هو مَنْ تستطيع أن تعود إليه بعد كل غياب، فتجد الود محفوظاً، كأن الحديث توقف بالأمس. ويكفي أن تعرف أن بينكما باباً مفتوحاً، وأن اختلاف الظروف لا يعني نُقصان المحبَّة، وهكذا تُصبح الصداقة مساحةً للراحة، لا واجباً اجتماعياً جديداً.

فالعلاقات التي تبدأ بعد الأربعين يمكن أن تكون أعمق من كثير من العلاقات التي بنيناها قبل الأربعين، لأننا نكون قد عرفنا أنفسنا والآخرين أكثر، وأصبحنا نبحث عن صديق تتقارب معه القيم، ويحفظ الود، ويصغي لك من غير حكم. وبعد الأربعين نتعلَّم أن ننسحب بهدوء من العلاقات السَّامة والمرهقة، فالصداقة تُقاس بصدق المواقف وثبات النصرة والمساعدة.

Ad

* باحث أكاديمي