نشر لاري ديفيد، مبتكر المسلسلين الكوميديين «ساينفيلد» و«اكبح حماسك»، مؤخراً مجموعة من «المقترحات المتواضعة» الموجّهة إلى منظمة الاشتراكيين الديموقراطيين في أميركا. لكن يبدو أن روح الدعابة التي تحلّى بها لم ترق للجميع؛ إذ أفادت إحدى الصحف المحلية بأن أنصار المنظمة «لم يجدوا فيها ما يضحك».
تنجح معظم نكات ديفيد وفق مبدأ «إنها مضحكة لأنها حقيقية». فما المسافة الفعلية بين قوله، ساخراً، إن «بوسع أي شخص دخول بلادنا متى شاء»، وبين البرنامج الرسمي لمنظمة الاشتراكيين الديموقراطيين الذي يدعو إلى إلغاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، ووقف عمليات الترحيل، و«إضفاء الشرعية على الهجرة»، ومنح «العفو لجميع المهاجرين بصرف النظر عن وضعهم القانوني»؟
وكذلك، ما الفارق بين اقتراح ديفيد «إغلاق السجون وإطلاق سراح جميع السجناء»، وبين دعوة البرنامج الرسمي للمنظمة إلى اتخاذ «خطوات نحو الإلغاء الكامل لجهاز الشرطة»؟
لكن ها أنا ذا أحاول تقييم نكات ديفيد وفق معاييرها الفنية، وكأننا نعيش في زمن لا يزال فيه ذلك ممكناً. ففي أيامنا هذه، أصبح الاعتراض على مجرد إطلاق النكات أسهل بكثير من مناقشة مدى نجاحها أو إخفاقها.
ولا شك أن المتشددين في منظمة الاشتراكيين الديموقراطيين استمتعوا بسخرية ديفيد من زميله الكوميدي بيل ماهر، بعدما تناول الأخير العشاء مع الرئيس ترامب عام 2025. يومها، تخيّل ديفيد نفسه جالساً إلى مائدة عشاء مع أدولف هتلر، ثم يكتشف، على نحو غير متوقع، أنه رجل جذاب ومثير للإعجاب!
هتلر، بطبيعة الحال، مصدر إلهام متكرر في أعمال الكوميدي الأميركي، كما يعرف جيداً ميل بروكس، الذي تعاون مع ديفيد في بعض المناسبات. وقد وصف بروكس المحرقة النازية بأنها «الغضب الأعظم في القرن العشرين». لكن لماذا نحاول إضحاك الناس على حساب مرتكبي تلك الفظائع؟
يجيب بروكس عن هذا السؤال من زاوية مختلفة، إذ يرى أن «بوسعك إسقاط الحكومات الشمولية باستخدام السخرية أسرع مما تستطيع إسقاطها باستخدام الشتائم والهجوم الكلامي».
اذا كان حتى النازيون يصلحون مادةً للكوميديا، فمن المؤكد أن منظمة الاشتراكيين الديموقراطيين تستطيع أن تتحلى بشيء من خفة الظل بين الحين والآخر.
غير أن اليسار يواجه صعوبة متزايدة في الضحك على نفسه. فقد لاحظ جيري ساينفيلد، قبل نحو عقد من الزمن، أن طلاب الجامعات الشباب باتوا ينفرون من الكوميديا التي لا تلتزم بالحدود السياسية والاجتماعية المقبولة لديهم. ووجد الكوميديون صعوبة بالغة في ابتكار نكات تسخر من باراك أوباما، رغم أن كايل سميث، كاتب عمود «حرية التعبير»، قدّم آنذاك اقتراحات كثيرة لما يمكن السخرية منه في عهد الرئيس الديموقراطي.
وبدأ بعض المنتمين إلى اليسار، أيضاً، ينقلبون على مسلسل «بورتلانديا»، الذي مثّل أحد نماذج الكوميديا اليسارية الناقدة لذاتها خلال عهد أوباما، حتى قبل انتهاء عرضه. فقد أخذوا يصفونه بأنه معادٍ للمتحولين جنسياً، في مثال آخر على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الفكاهة إلى موضع اتهام سياسي وأيديولوجي.
وقبل بضع سنوات، قدّم جون ستيوارت فقرة كوميدية بارعة حقاً في برنامج «ذا ليت شو مع ستيفن كولبير»، تناول فيها أصول فيروس كوفيد-19. وركّز ستيوارت على حقيقة أن مدينة ووهان الصينية، التي ظهر فيها الفيروس للمرة الأولى، كانت أيضاً مركزاً لأبحاث فيروسات كورونا.
وقال ساخراً: «لقد تفشى شيء من الحلاوة الشوكولاتية بالقرب من هيرشي في ولاية بنسلفانيا؛ فماذا تعتقدون أنه حدث؟».
كانت النكتة تشير إلى أن ظهور الفيروس في مدينة تضم مختبرات متخصصة في أبحاث الفيروسات يستحق، على الأقل، طرح الأسئلة والتحقيق في الاحتمالات. لكن هذه المزحة، التي يبدو أنها صُنّفت بطريقة ما ضمن الخطاب اليميني، دفعت كولبير إلى اتهام شريكه الكوميدي السابق بالعمل لحساب السيناتور الجمهوري رون جونسون.
وهكذا، لم يعد الخلاف متعلقاً بما إذا كانت النكتة مضحكة أو وجيهة، بل أصبح متعلقاً بالمعسكر السياسي الذي يُفترض أنها تخدمه.
فلا شيء أظرف من شخص لا يستطيع تقبّل المزاح.
* جاك بتلر