مهما يكن رأيك في دونالد ترامب، فلا يمكن إنكار أنه يبذل كل ما في وسعه، ويخوض المعركة الانتخابية بكل طاقته.

بدأ جولته الأسبوع الماضي بتجمع انتخابي يوم الاثنين في أوهايو، ثم انتقل الثلاثاء إلى ألاسكا. وأقام الأربعاء تجمعين، أحدهما في أريزونا والآخر في مونتانا. واستراح من التنقل الخميس، لكنه شارك مساءً في لقاءين تلفزيونيين مفتوحين مع الناخبين، قبل أن يتوجه الجمعة إلى جورجيا والسبت إلى كنتاكي لإقامة تجمعين انتخابيين.

أما هذا الأسبوع، فيشهد تجمعاً كل يوم: الاثنين في كانساس، والثلاثاء في نورث كارولاينا، والأربعاء في ساوث كارولاينا، والخميس في آيوا، والجمعة في فلوريدا، والسبت مجدداً في جورجيا، والأحد في ميشيغان.

Ad

والأسبوع المقبل بدأ يتشكل بالفعل، مع تحديد محطتين في تكساس يوم الثلاثاء حتى الآن.

السيناريو متشابه في كل مرة: يصعد ترامب إلى المنصة على أنغام أغنية «بارك الله أميركا»، ثم يتحدث لأكثر من ساعة، متنقلاً في حديثه بين موضوع وآخر بلا مسار واضح. ويختتم ظهوره بالرقص على أنغام أغنية «Y.M.C.A.» لفرقة «فيليج بيبول». وبعد ذلك، يستقل الرئيس البالغ 80 عاماً الطائرة عائداً إلى واشنطن أو إلى بالم بيتش في فلوريدا، ليصل في ساعة متأخرة من الليل، وأحياناً بعد منتصف الليل. ولا شك في أن هذا الإيقاع مرهق له ولأعضاء فريقه.

في تجمعاته، يستعيد ترامب دوره في برنامجه التلفزيوني السابق «المتدرب»؛ فهو المقدم والمنتج التنفيذي، لكن العرض هذه المرة هو أميركا نفسها. وكل تجمع يمثل حلقة جديدة من قصة مألوفة: الأمة تواجه خطراً، ولا أحد يستطيع إنقاذها سوى ترامب.

إنه يدرك أن أي برنامج تلفزيون واقع ناجح يحتاج إلى التوتر والجدل، وإلى أشرار يستطيع إهانتهم وإلصاق ألقاب قبيحة بهم. كما يجب تذكير الجمهور باستمرار بمدى سوء الأوضاع في عهد «جو النعسان» بايدن، وبمدى روعة الأحوال اليوم.

ولا بد من بطل، وهذا البطل هو ترامب نفسه. فهو يتمتع بخفة ظل، ولديه أهداف كثيرة يوجه إليها سهامه الساخرة، وإن كان نادراً ما يجعل نفسه هدفاً لها. وتتجه سخريته إلى خصومه، وأحياناً إلى حلفائه، بمن فيهم المرشح الذي يخوض الحملة الانتخابية لمصلحته. لكن هذه التفاصيل تبقى مجرد مشاهد جانبية.

ولا بد أيضاً من الإطراء، والكثير منه، إذ يتولى الأشخاص الذين يسمح لهم ترامب بالصعود إلى المنصة إغداق المديح على الرجل الأول. وتتوالى الاستطرادات، بينما يأخذ الرئيس جمهوره إلى دائرة ثقته، ويكشف أمامه عن أفكاره الأكثر خصوصية.

يريد المشاركون في التجمعات سماع العبارات التي يحبونها والموضوعات التي اعتادوها. لكن أي مسلسل طويل يحتاج إلى تحولات في الحبكة: قصص جديدة، ومعلومات من وراء الكواليس، وضيف مفاجئ.

ويجب أن يبلغ كل تجمع انتخابي ذروته بخاتمة مدوية، مليئة بعبارات التفوق والتهليل للذات، وبحديث عن «تقدم لا يُصدّق» و«مستويات جديدة من العظمة، لم يكن أحد يتصور حتى إمكان بلوغها».

هذا مسرح سياسي من نوع لم نشهده من قبل، لكنه في الوقت نفسه رهان ضخم. فالرئيس يراهن على أن حضوره الطاغي في كل مكان سيحفّز مزيداً من أنصار حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا)، ممن ربما لم يكونوا ليصوتوا لولا ذلك، بدلاً من أن يمنح دفعة إضافية لنسبة الـ 60% من الأميركيين الذين لا يوافقون عليه أو على أدائه الرئاسي.

من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان هذا الرهان سيؤتي ثماره، لكنه ينطوي على مخاطر حقيقية. فالتجمعات تبقي ترامب في صدارة العناوين الإخبارية، لكنها تقدمه أيضاً بوصفه شخصية حزبية في انتخابات تجديد نصفي سيصدر الناخبون فيها حكمهم على أدائه. أما أشد أنصاره حماسة، فمن المرجح أنهم كانوا سيصوتون على أي حال. والمشكلة أن الجمهوريين يحتاجون إلى أصوات المؤيدين الأقل حماسة.

ويراهن البيت الأبيض كذلك على أن إتاحة المجال أمام الصحافة بلا قيود تصب دائماً في مصلحة الرئيس. ولعل الردود التي أدلى بها ترامب للصحفيين الذين أمطروه بالأسئلة وهو في طريقه إلى المروحية الرئاسية «مارين ون» يوم الاثنين خير مثال على ذلك. فقد تصدرت تصريحاته الأخبار، وكان كثير منها سلبياً.

أصر ترامب على أن روسيا «لم تفعل شيئاً» لمساعدة إيران. وأبدى انفتاحاً على عقد قمة مع فلاديمير بوتين وشي جينبينغ بشأن أوكرانيا، سواء شارك الأوكرانيون فيها أم لم يشاركوا. كما ألقى باللوم على الرئيس الأوكراني لأنه لم يتوصل إلى تسوية «منذ وقت طويل» مع الدولة التي غزت بلاده.

وادعى أن روسيا «كانت على ما يرام» في أوكرانيا، وأنها «لم تفعل الكثير». لكن هذا «القليل» يعني خوض حرب أودت بحياة ما بين 125 ألفاً و150 ألفاً من العسكريين الأوكرانيين، وبنحو 450 ألفاً من العسكريين الروس.

ووصف ترامب استطلاعات الرأي بأنها «مزيفة»، لكنه أصر في الوقت نفسه على أن مرشحي الحزب الجمهوري يحققون تقدماً في الاستطلاعات كلما خاض حملة انتخابية في منطقة ما.

إن الاستمرار في إطلاق مثل هذه التصريحات رداً على أسئلة الصحفيين لن يؤدي إلا إلى زيادة تعقيد المشهد. فالجدل غير الضروري وغياب الانضباط في توجيه الرسائل سمتان بارزتان في هذا البيت الأبيض.

لقد أقدم فريق ترامب على رهان محفوف بالمخاطر بتنظيم هذه التجمعات المكثفة. ومع بقاء أقل من أسبوعين على موعد إصدار الناخبين حكمهم، لا ينبغي له أن يجعل هذا الرهان أصعب مما هو عليه بالفعل.

* مستشار سابق للرئيس جورج دبليو بوش، وشغل منصب نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، وهو مؤلف كتاب «انتصار ويليام ماكينلي» الصادر عن دار سايمون آند شوستر عام 2015.

* كارل روف