تبقى بعض المشروعات في ذاكرة الدول لأنها نجحت، وتبقى أخرى لأنها علّمت، ومشروع مدينة الحرير في الصبية من النوع الثاني؛ فقد ظل قرابة عقدين عنواناً لطموح كويتي مشروع في أن تتحول البلاد إلى مركز مالي وتجاري إقليمي، وارتبط في الخطاب الرسمي برؤية «كويت جديدة 2035» لكن هذا الطموح بقي في معظمه على الورق: عروض تخطيطية وأرقام كبيرة ومذكرات تفاهم، من دون مدينة تقوم على الأرض.
وعندما وافق مجلس الوزراء في 29 سبتمبر 2026 على مشروع مرسوم بإلغاء مرسوم إنشاء جهاز تطوير مدينة الحرير (الصبية) وجزيرة بوبيان، ورفعه إلى حضرة صاحب السمو أمير البلاد، بدا واضحاً أن الدولة اختارت مراجعة النموذج نفسه، لا مجرد تأجيل التنفيذ، ورأيي في هذا المقال أن هذه المراجعة صائبة، وأن ما تحتاجه الكويت في المرحلة القادمة ليس مدينة عملاقة واحدة، بل منظومة من المدن والمراكز المتكاملة والمتخصصة وينسجم هذا التوجه مع رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، في الإصلاح والإنجاز، ومع رؤية الكويت في استقطاب رأس المال، وتنمية الإنسان، وتحويل الأرض والعقول إلى ثروة منتجة.
مدينة الحرير: حلم كبير بأدوات ناقصة
عُرضت مدينة الحرير في 2018 على مساحة تقارب 250 كيلومتراً مربعاً، لتستوعب نحو 700 ألف نسمة، ويستغرق إنشاؤها نحو 25 عاماً وقُدّرت كلفتها بنحو 86 مليار دولار، وشملت تصوراتها أحياء مالية وتجارية وترفيهية، ومطاراً دولياً، وسككاً حديدية، ومدينة صناعية، وبرجاً مقترحاً بارتفاع 1001 متر وقام الأساس المؤسسي للمشروع على مرسوم إنشاء جهاز التطوير عام 2012، الذي وُصف حينها بأنه ترتيب انتقالي إلى حين صدور قانون بإنشاء هيئة دائمة.
أما على أرض الواقع، فلم تُنشر حتى اليوم خريطة حدود نهائية، ولا مخطط هيكلي معتمد، ولا نموذج تمويل مفصّل وتغيّرت تقديرات المساحة والسكان والوظائف من مرحلة إلى أخرى: من 260 كيلومتراً مربعاً إلى 420 ثم 250، ومن 400 ألف وظيفة إلى 200 ألف وفي 2019 أفادت التقارير بأن النموذج المالي ما زال قيد البحث، وبأن الجزء الأكبر من تمويل المرحلة الأولى، المقدّرة بين 60 و70 مليار دولار، كان معلقاً على جذب الاستثمار الأجنبي، ثم جاءت مسودة المنطقة الاقتصادية ذات الاستقلال الإداري والمالي والتشريعي الواسع، فأثارت اعتراضات نيابية تتعلق بالرقابة البرلمانية وبالسيادة التشريعية.
لم تكن المشكلة في الطموح، بل في بنية المشروع فقد وضع كل الرهانات في سلة واحدة: موقع واحد، وجهاز واحد، وتمويل ضخم دفعة واحدة، وجدول زمني يمتد ربع قرن، وكيان شبه مستقل عن المنظومة التشريعية للدولة.
لماذا كان طي الصفحة هو القرار الصائب؟
أرى أن قرار مراجعة النموذج وطي صفحة جهاز مدينة الحرير صائب لأسباب أربعة:
أولاً، أسباب مالية: مشروع بكلفة تقديرية تقارب 86 مليار دولار، بلا نموذج تمويل معلن ولا خط أساس للإنفاق، يعرّض المال العام لمخاطر عالية، خاصة في اقتصاد ما زال يعتمد على النفط ومنطق المرحلة القادمة هو أن يدخل المال العام شريكاً مُحفِّزاً، لا ممولاً وحيداً.
ثانياً، أسباب مؤسسية: فكرة «دولة داخل الدولة» بتشريعاتها المستقلة كانت مصدر قلق دستوري وسياسي مشروع والأجدى أن تُطوَّر بيئة الاستثمار في الكويت كلها عبر تشريعات وطنية حديثة، بدل عزل جيب جغرافي بقواعد مختلفة.
ثالثاً، أسباب زمنية: ربع قرن مدة طويلة جداً في عالم تتغير فيه سلاسل الإمداد والتقنيات وأنماط العمل كل بضع سنوات. والمشروعات الكبرى الناجحة اليوم تُبنى على مراحل صغيرة تُقاس وتُصحَّح باستمرار.
رابعاً، أسباب تتعلق بالإنسان: المدن لا تُصنع بالخرسانة وحدها، بل بالناس الذين يسكنونها ويعملون فيها ويبتكرون. وقد ركّز المشروع على البنيان أكثر مما ركّز على بناء الإنسان والمهارات والمؤسسات.
ولا يعني ذلك أن السنوات الماضية ضاعت فالقرار في جوهره انتقال من نموذج لم يعد صالحاً إلى نموذج أنضج، وليس تراجعاً عن طموح تنمية الشمال.
ما بقي من التجربة: أصول لا تضيع
خلّفت التجربة أصولاً حقيقية ينبغي البناء عليها أولها جسر الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي افتُتح في مايو 2019 بكلفة إجمالية تقارب 904 ملايين دينار، واختصر المسافة بين العاصمة والصبية من 104 كيلومترات إلى 37.5 كيلومتراً وثانيها ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان، الذي وُقّع عقد استكمال مرحلته الأولى في ديسمبر 2025 بقيمة تقارب 1.219 مليار دينار، ويُستهدف إنجاز هذه المرحلة في 2028 ويضاف إلى ذلك رصيد من الدراسات التخطيطية والبيئية وخبرة تفاوضية مع شركاء دوليين.
هذه الأصول هي البذرة الطبيعية للنموذج البديل: ميناء يحتاج إلى منطقة لوجستية وصناعية تخدمه، وجسر يحتاج إلى نشاط اقتصادي يبرّر وجوده، وأراضٍ شاسعة في الشمال تحتاج إلى استخدامات منتجة ومدروسة.
من «المدينة» إلى «المدن المتكاملة»: التصور البديل
البديل الذي أقترحه هو شبكة من المدن والمراكز المتخصصة، لكل منها هوية اقتصادية واضحة ونموذج تمويل مستقل وجدول زمني قصير قابل للقياس، تتكامل فيما بينها ضمن المخطط الهيكلي العام للدولة ومن أبرز مكونات هذه الشبكة:
مركز لوجستي وصناعي في الشمال يرتبط مباشرة بميناء مبارك الكبير، ويخدم التجارة الإقليمية وإعادة التصدير والصناعات التحويلية.
مركز مالي واستثماري يستثمر الثقل التاريخي للكويت في إدارة الثروات وصناديق الاستثمار، ويستضيف مديري الأصول والمكاتب العائلية وشركات التقنية المالية.
مدينة للمعرفة والابتكار ترتبط بالجامعات ومراكز البحث، وتحتضن الشركات الناشئة وصناديق رأس المال الجريء، وتركز على الطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
مدن سكنية متكاملة الخدمات تُنشأ بالشراكة مع القطاع الخاص، لتخفيف أزمة السكن وخلق مجتمعات حضرية حديثة.
مناطق سياحية وثقافية تبرز الهوية الكويتية والتراث البحري، وتستثمر الجزر والواجهات البحرية.
ميزة هذا النموذج أنه يوزّع المخاطر ولا يركّزها فتعثّر أحد المراكز لا يُسقط المشروع كله كما يتيح لكل مركز أن يبدأ صغيراً ويكبر بقدر ما يحقق من نتائج، ويوزّع ثمار التنمية جغرافياً بدل حصرها في بقعة واحدة والأهم أن البلدية، وفق قانونها، تتولى تنظيم المدن والمناطق وإقرار مخططاتها الهيكلية وفقاً للمخطط الهيكلي العام للدولة، وهو الإطار المؤسسي الطبيعي لتنسيق هذه الشبكة من دون الحاجة إلى كيان موازٍ.
التشريعات الحديثة: الأساس متوفر
ما لم يكن متاحاً لمدينة الحرير في 2012 أصبح متاحاً اليوم فقد اكتملت لدى الكويت منظومة تشريعية حديثة، يكفي أن تُفعَّل وتُنسَّق لتصنع بيئة استثمارية جاذبة وآمنة ومنافسة ومتخصصة، ومن أبرزها:
قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 لسنة 2013، الذي يمثل البوابة القانونية لرأس المال الأجنبي وقد عزّزه قانون إقامة الأجانب الصادر عام 2024، الذي أجاز منح المستثمرين الخاضعين لأحكام هذا القانون إقامة تصل إلى خمس عشرة سنة، وهي رسالة استقرار مهمة لأي مستثمر جاد.
قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 116 لسنة 2014، وهو الأداة الأنسب لتنفيذ البنية التحتية والمرافق دون تحميل المال العام العبء كاملاً، مع إشراك المواطنين في الملكية.
القانون رقم 118 لسنة 2023 بشأن تأسيس شركات إنشاء مدن أو مناطق سكنية وتنميتها اقتصادياً وتعديلاته، الذي يوفر إطاراً قانونياً مباشراً لنموذج المدن المتكاملة الذي ندعو إليه.
قانون إنشاء الدوائر الاقتصادية الصادر عام 2026، الذي خصّ دوائر قضائية متخصصة بنظر منازعات الاستثمار المباشر والشراكة وشركات إنشاء المدن وحماية المنافسة فالأمان القانوني وسرعة الفصل في النزاعات من أول ما يسأل عنه المستثمر قبل أن يضع أمواله.
قانون حماية المنافسة رقم 72 لسنة 2020، الذي يضمن سوقاً عادلة لا تحتكرها كيانات بعينها، ويطمئن المستثمر الجديد إلى أن الدخول إلى السوق متاح بقواعد واضحة.
بهذه المنظومة لم تعد الكويت بحاجة إلى منطقة ذات تشريعات استثنائية مثيرة للجدل فالبيئة الجاذبة يمكن أن تُبنى من داخل القانون الوطني ذاته وتحت رقابة مؤسساته الدستورية.
أدوات مالية جديدة: تمويل التنمية دون إرهاق المال العام
من أبرز دروس مدينة الحرير أن غياب نموذج التمويل يكفي وحده لتعطيل أي مشروع واليوم تملك الكويت أدوات لم تكن متاحة من قبل فالمرسوم بقانون رقم 90 لسنة 2026 في شأن الصكوك الحكومية يتيح إصدار صكوك بصيغ متعددة كالإجارة والاستصناع والمشاركة والمضاربة، ومنها صكوك المشاركة في مشاريع حكومية جديدة ضمن خطط التنمية، مع إمكان إدراجها في الأسواق المحلية والأجنبية ويمكن أن يُخصَّص لكل مدينة أو مركز متخصص إصدار مستقل مرتبط بأصوله وعوائده.
كما تتيح اللائحة التنفيذية لقانون هيئة أسواق المال أدوات حديثة، منها الصكوك والسندات الخضراء وصكوك الاستدامة لتمويل المشاريع الصديقة للبيئة، وصناديق رأس المال الجريء للاستثمار في الشركات الناشئة والتقنيات الحديثة، والصناديق العقارية المدرة للدخل ويضاف إلى ذلك نموذج شركات المساهمة التي يُخصَّص جزء معتبر من أسهمها للمواطنين، فيصبح الكويتي شريكاً في التنمية لا متفرجاً عليها.
بهذا تتحول المدن المتكاملة إلى فرص استثمارية قابلة للتداول، تجذب المدخرات المحلية ورؤوس الأموال الأجنبية، وتعمّق سوق المال الكويتي في الوقت نفسه.
الإنسان أولاً: تنمية العنصر البشري وصناعة الإبداع
أثمن ما تملكه الكويت ليس أرضها ولا نفطها، بل شبابها ونسبة كبيرة من المواطنين في سن العمل والتعلم، وكثير منهم من خريجي أرقى الجامعات في العالم ولذلك ينبغي أن يكون لكل مدينة أو مركز متخصص في النموذج الجديد مكوّن إلزامي لتنمية الإنسان، يشمل:
برامج تدريب وتأهيل مرتبطة باحتياجات القطاعات المستهدفة، كاللوجستيات والتقنية المالية والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة.
شراكات بين الجامعات والقطاع الخاص لتحويل البحث العلمي إلى منتجات وشركات.
حاضنات ومسرّعات أعمال تربط المبادرين بالصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبصناديق رأس المال الجريء.
اشتراطات واضحة لتوطين الوظائف ونقل المعرفة في عقود الشراكة والاستثمار الأجنبي.
سياسات لاستعادة الكفاءات الكويتية المهاجرة واستقطاب العقول المتميزة من الخارج، بالإفادة من الإقامة طويلة الأجل المتاحة للمستثمرين.
فالإبداع لا يُستورد جاهزاً، بل يُصنع في بيئة تكافئ المبادرة وتتقبل التجربة وتحمي الملكية الفكرية.
الأرض: من مورد معطّل إلى أصل منتج
تملك الدولة الجزء الأكبر من أراضي الكويت، وهي ثروة هائلة لكنها في الغالب غير مستغلة ونموذج المدن المتكاملة يحوّل هذه الأراضي إلى أصول منتجة عبر حق الانتفاع والشراكة وتخصيص الأراضي للمطورين المؤهلين ضمن مخططات معتمدة، بدل أن تبقى معطلة أو تُحجز عقوداً لمشروع واحد لا يتحقق ويتطلب ذلك أن تقرر الجهات المختصة استعمالات الأراضي وتستحدث المناطق السكنية والاستثمارية والتجارية والصناعية بما يتفق مع المخطط الهيكلي العام للدولة، مع مراعاة اشتراطات حماية البيئة، خاصة في الشمال والجزر ذات الحساسية البيئية العالية.
شروط النجاح: حتى لا نكرر الخطأ
لكي لا تتحول المدن المتكاملة إلى «مدن حرير» صغيرة متعددة، لا بد من ضوابط واضحة، أهمها:
الحوكمة الواضحة: جهة تنسيق واحدة ضمن الأجهزة القائمة، ومسؤوليات محددة لكل جهة، دون إنشاء كيانات موازية.
الإفصاح والشفافية: نشر المخططات المعتمدة والكلفة ونموذج التمويل ونسب الإنجاز بصورة دورية، فغياب الإفصاح كان من أبرز ثغرات التجربة السابقة.
التنفيذ المرحلي: مراحل قصيرة لكل منها مؤشرات أداء قابلة للقياس، لا تنتقل المرحلة التالية إلا بعد تحقق نتائج سابقتها.
الشراكة لا الإنفاق: أن يكون القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي والمواطن المساهم هم أصحاب المصلحة الأولى في التمويل والتشغيل.
الرقابة البرلمانية والمحاسبية: أن تبقى هذه المشروعات تحت رقابة ديوان المحاسبة والمؤسسات الدستورية، فهذا ما يمنحها الشرعية والاستدامة.
ختاماً، لم تفشل الكويت في حلم مدينة الحرير، بل تعلّمت منه فالدولة التي تملك شجاعة مراجعة مشروع بهذا الحجم تملك أيضاً القدرة على بناء ما هو أفضل والمرحلة القادمة، بقيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح حفظه الله، تتطلب عقلاً تنموياً جديداً يرى أن المستقبل لا يُبنى بمدينة واحدة على أطراف الخريطة، بل بمنظومة من المدن والمراكز المتكاملة الممتدة على أرض الوطن منظومة تجذب المال وتحميه، وتستثمر الأرض ولا تجمّدها، وتصنع الإنسان قبل البنيان، وتستند إلى تشريعات حديثة ومؤسسات تخضع للمساءلة.
ذلك هو الطريق إلى «كويت جديدة» حقاً: كويت لا تبني المدن لتُعرض في المؤتمرات، بل لتسكنها الأفكار والفرص والأجيال القادمة.