كلما تحدَّثنا عن الحوكمة والالتزام والرقابة وإدارة المخاطر، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط، لكنه عميق: لماذا تستمر بعض المؤسسات في التعرُّض للمخاطر، وتقع في الأخطاء نفسها، رغم أنها تمتلك لوائح وسياسات كافية ومفيدة ومعبِّرة؟

هذا السؤال لا يخص مؤسسة بعينها، بل يطرح نفسه في مختلف القطاعات، بما فيها القطاع الخيري، الذي حقق في الكويت تطوراً مهماً وملحوظاً خلال الفترات الأخيرة في مجالات الحوكمة والرقابة والامتثال. ومع ذلك، فإن وجود منظومة متقدمة لا يعني بالضرورة أن المخاطر أصبحت تحت السيطرة.

وفي رأيي أن المشكلة في الغالب عند «التنفيذ» ومتابعته، ومتابعة المتغيِّرات التي تؤثر على البيئة الداخلية والخارجية، على حدٍّ سواء، وهل ستساعد في التنفيذ أم ستحرفه عن وجهته؟ وعند هذه النقطة تحديداً تكمن الفجوة التي يغفل عنها كثيرون.

Ad

فالمؤسسة قد تمتلك سجلاً متكاملاً للمخاطر، ومتابعة حثيثة للالتزام، لكن المخاطر نفسها تتكرَّر، وقد تغلق عشرات الملاحظات الرقابية، لكن الممارسة اليومية داخل الإدارات تبقى كما كانت.

لذلك أقول إن العِبْرة ليست فقط بعدد السياسات المعتمدة، ونسبة إغلاق الملاحظات، وعدد الدورات التدريبية، بل السؤال الأهم: هل انخفضت مسببات المخاطر فعلاً؟ وهل أصبح الالتزام أكثر جودة واستدامة؟ وهل تعمَّقت هذه الثقافة في النفوس والقلوب، لا الأوراق فقط؟

في القطاع الخيري تزداد أهمية هذا السؤال، لأن المؤسسة لا تُدير مشاريع أو ميزانيات فقط، بل تُدير ثقة المتبرعين، وتُحافظ على سُمعتها، وتُؤدي رسالة إنسانية قبل أن تؤدي عملاً إدارياً. 

لذلك على المؤسسات ألا تكتفي بإثبات وجود الضوابط، وأن نسأل أنفسنا سؤالاً مختلفاً: هل نجحت هذه الضوابط في تقليل الفجوات في النطاقات التي نقصدها؟ وهذا هو الفرق بين مؤسسة تُدير الأوراق، ومؤسسة تُدير الواقع وتبني للمستقبل.

لذلك أرى أن المرحلة القادمة بمؤسساتنا وفي القطاع الخيري الكويتي تحتاج إلى تحوُّل تركيز في طريقة الأداء ومنهج التفكير، فلا يكفي أن نسأل: هل نفذنا الإجراء؟ بل يجب أن نسأل: هل أحدث هذا الإجراء فرقاً؟ وهو لبُّ الفرق بين الحوكمة الشكلية والحوكمة الفاعلة.