قرأت قبل أيام خبراً في موقع بوليتيكو الأميركي، تناول مبادرة من «أنثروبيك»، إحدى الشركات الرائدة في تطوير الذكاء الاصطناعي، لتقديم مقترح قانون إلى المشرِّعين الأميركيين يهدف إلى تنظيم هذه التقنية، وإخضاع نماذجها المتقدمة لاختبارات السلامة والرقابة المستقلة. 

استوقفني الخبر، ليس فقط لأهمية التشريع، بل لأن إحدى الشركات المطوِّرة لهذه التقنية أصبحت تدعو بنفسها إلى وضع ضوابط قانونية تحدُّ من مخاطرها. وهنا تساءلت: إذا كانت الشركات تُدرك حجم هذه المخاطر، فهل ندرك نحن- كمستخدمين- حجم ما نكشفه لهذه التطبيقات عن حياتنا؟ 

قبل سنوات قليلة، لم يكن يخطر ببالنا أن يأتي يوم نتحدَّث فيه إلى تطبيق على الهاتف كما نتحدَّث إلى صديق. نسأله عن عملنا، ونستشيره في قراراتنا، ونطلب منه تفسير نتيجة تحليل، أو مساعدتنا في تجاوز موقف شخصي. أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في تفاصيل حياتنا اليومية، يؤدي أدواراً علمية وعملية، بل واجتماعية أحياناً، حتى بات البعض يلجأ إليه قبل أقرب الناس إليه. لكن خلف هذا «الصديق» شركات تمتلك التطبيقات، وتدير أنظمتها. وكل سؤال نطرحه، وكل قِصَّة نرويها، وكل مستند نرفعه، قد يكشف شيئاً عنَّا. فطريقة حديثنا تعكس اهتماماتنا ومخاوفنا ومشكلاتنا، وما نفكِّر في فعله، وربما قرارات لم نُخبر بها أحداً بعد. 

Ad

والأمر لا يتوقف عند الأحاديث الشخصية. فهناك مَنْ يرفع تقارير طبية، وعقوداً تجارية، وكشوفاً مالية، ومراسلات وظيفية، وأبحاثاً لم تُنشر بعد. مستندات تحمل أسماء وأرقاماً ومعلومات حساسة، قد تخص أشخاصاً آخرين لم يُوافقوا أصلاً على مشاركتها. تخيَّلوا حجم الصورة التي يمكن رسمها عن أي إنسان من مجموع محادثاته: حالته الصحية، ووضعه المالي، وخلافاته الأُسرية، وطموحاته المهنية، وحتى نقاط ضعفه. معلومات كان جمعها في الماضي بالغ الصعوبة. أما اليوم، فنحن نقدِّم أجزاءً منها طوعاً، وبكلماتنا نحن. وعندما تتجمَّع هذه التفاصيل لدى جهات قليلة، فإنها لا تكشف سلوك الأفراد فحسب، بل قد ترسم ملامح مجتمعات كاملة: ما يقلقها، وكيف تفكر، وما الذي يؤثر في قراراتها. وهنا يتحوَّل السؤال من خصوصية فرد إلى قوة معرفة هائلة. صحيح أن سياسات حفظ البيانات واستخدامها تختلف بين التطبيقات، وأن بعضها يوفر ضوابط للحماية والخصوصية، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأهم: مَنْ يستطيع الوصول إلى هذه البيانات؟ وكيف تُستخدم؟ وماذا لو تعرَّضت للتسريب أو استُخدمت لأغراض لم نتوقعها؟ لستُ ضد الذكاء الاصطناعي؛ على العكس، أراه من أعظم أدوات عصرنا. لكن فائدته الكبيرة قد تجعلنا نخفض حذرنا، فنكشف أمام شاشة صامتة ما لا نجرؤ على قوله لإنسان. لسنا مضطرين إلى التخلي عن هذه التقنية، لكن علينا ألا نُعاملها كخزنة أسرار. فالخصوصية التي نتنازل عنها اليوم، قد لا نستطيع استعادتها غداً.

* أستاذ مشارك في علوم طب الجينوم بجامعة الكويت