حين تتشابك الروحان، تنطلق في أعماق العلاقة رحلةٌ صامتة لا يدرك الطرفان أنها ستقرر مصيرهما: رحلة الكشف عمّا يحتاجه كلٌّ منهما، وعمّا يستطيع الآخر منحه. في البدايات نصمت عن احتياجاتنا، ونتوهم أن الحب عرّافٌ يقرأ ما لم نبُح به، ويروي ظمأً لم نعرف له اسماً. ثم تأتي الأيام المشتركة فتنزع عن اللقاء دفأه الأول، وتطرح السؤال الموجع: هل عرف كلٌّ منا الآخر حقاً، أم عشق فيه طيفاً رسمه حنينه، ثم أفاق على وجهٍ لا يشبه ما أحب؟

 يحمل كل إنسان إلى العلاقة احتياجات قد يعجز عن تسميتها؛ أحدهما ينشد اعترافاً بقيمته، والآخر قرباً يصون فرديته، وثالث احتواءً يأمن معه انكشاف ضعفه. وحين نجهل هذه الفروق، نغمر بالكلام من يتوق إلى السكينة، ونمنح العزلة لمن ينتظر الاحتواء. يصدق القصد وتخطئ الاستجابة، لأن العطاء بقي أسير تجربة صاحبه؛ فيحسب أحدهما أنه أوفى بحق الشراكة، بينما يكابد الآخر حرماناً يعجز عن شرحه، ويظل بينهما عطاءٌ لا يُقدَّر، واحتياجٌ لا يُفهم.

غير أن بعض الخيبات تتجاوز سوء الفهم إلى الخداع المتعمد؛ إذ يتقن أحدهم الظهور بالصفات التي يتوق إليها الآخر، مستثمراً حاجته إلى الأمان ليكسب ثقته ويستدرجه إلى التعلق. وحين يطمئن إلى رسوخ مكانته، تنكشف حقيقته وتتضح غاياته، فيجد شريكه نفسه أمام شخص يناقض من اختاره. لم يتبدل فجأة؛ بل تخلى عن الصورة التي أحكم تقديمها، بعدما بنى الآخر عليها ثقته ومستقبله. ويصبح الألم مضاعفاً حين يرتاب المخدوع في قدرته على التمييز، ويحمل نفسه وزر ثقة أُسيء استغلالها. 

Ad

وتتباين غايات الارتباط؛ فمنهم من ينشد اليسر المادي، ومن يتوق إلى سكن وجداني، ومن يختزل الشراكة في إشباع رغباته. ولكل جانب من جوانب العلاقة مكانه، لكن اختزال الإنسان فيما يمنحه يسلبه حقه في شراكة تعترف بإنسانيته كاملة. ويبدأ الخذلان حين يظن أنه محبوب لذاته، ثم يكتشف أن قيمته مرهونة بما يقدمه، وأن احتياجاته لا تجد اعتباراً مماثلاً. أما من يستبقي أمان العلاقة ويبحث خارجها عن إشباع متجدد، فإنه يتصرف كأن الوفاء واجب على شريكه وحده؛ والحاجة إلى التقدير لا تبرر خيانة من اطمأن إلينا.

 لهذا يستحق الاختيار تبصراً في المواقف، واستقبال الضعف، واحترام الحدود، وإدارة الخلاف. وتبدأ البصيرة بمعرفة احتياجاتنا، حتى لا نختار تحت وطأة الحرمان، أو نرهن أعمارنا لوعود لا يسندها جهد. وليس النضج انتظار شريك كامل، بل تمييز ما نقبل فيه التفاوت عما يمس غيابه سلامتنا النفسية وكرامتنا، دون تحميله مسؤولية ترميم جراحنا كلها. وتستقيم العلاقة بتقاسم مسؤولية الفهم والتكيف، فلا يحتكر أحدهما حق الاحتياج، ويترك للآخر عبء التنازل. فالأمان أن نفصح ونختلف ونرفض، دون خشية أن نفقد مكانتنا كلما ظهرت حقيقتنا. 

وتقتضي حكمة الاختيار تقارباً في الفكر، وألفة في الروح، وتوافقاً في الأهداف، وفهماً متبادلاً للاحتياجات؛ تقارباً يتيح لاختلافاتنا أن تثري حياتنا، دون أن تستنزف قدرتنا على التفاهم. فلا يلزم أن نتطابق، لكن يلزم أن نجد في الآخر ما يعيننا على النمو معه، وأن تتسع الشراكة لذاتين تحتفظ كل منهما بخصوصيتها، ويجد كل منهما في الآخر أمان الانتماء، وحرية أن يكون ذاته.

* إعلامية بحرينية