يروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن الاحتجاجات التي اندلعت في أوروبا خلال الأسبوع الحالي، خصوصاً في فرنسا وإيطاليا، سببها الأساسي هو «الهجرة» وما ترتب عليها حسب وصفه من «أناس قادمين من عالم مختلف يحملون الكراهية في قلوبهم»، محذراً تلك الدول «أغلقوا حدودكم قبل فوات الأوان».

هذا التفسير العنصري الذي تبناه ترامب وتناغم معه نائبه جيه فانس ولقي تجاوباً من أحزاب اليمين الأوروبية هو تبرير معتاد للرئيس الأميركي لتجاوز أزمة الحرب في الخليج العربي، التي صنعها بيده وانعكست تداعيات اقتصادية كالتضخم والغلاء المضاعف في أسعار الطاقة والغذاء، وارتفاعاً فاحشاً في تكلفة المعيشة، وتوسعاً في سياسات التقشف وعدم عدالتها، فضلاً عن نمو تكاليف التعليم، وكان العديد من الاقتصادات الأوروبية ضحية لها.

فإذا نظرنا إلى بيانات الاقتصاد الأوروبي، والتي انعكست أعمالاً احتجاجية واسعة النطاق أخذت في بعض المدن منحى العنف الخارج عن السيطرة، فسنجد أن التضخم السنوي في منطقة اليورو بلغ 3.8% في سبتمبر 2026 مرتفعاً من 3.2% في أغسطس مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة بـ 18.9% سنوياً، والتي تجاوزت معدلها في فرنسا وإيطاليا بـ 20%، كما نمت أسعار المنازل بواقع 7.1% سنوياً، والإيجارات بنحو 5.9%، بل إن أسعار المنازل في البرتغال، وهي واحدة من الدول التي شهدت احتجاجات واسعة، بلغ ارتفاعها السنوي 16 %، أما في إيطاليا فقد انخفض معدل الأجور الحقيقية بعد التضخم بـ 6.6 %، كما زادت رسوم التسجيل الجامعي في بلجيكا 18%، في حين ارتفع التضخم في اليونان إلى 4.2%، مدعوماً بنمو تكاليف النقل والإسكان. 

Ad

هذه الضغوط الاقتصادية الخانقة انعكست على التعليم والعمل والسكن والدخل المالي فأفرزت مظاهرات وأعمالاً احتجاجية بقيادة الحركات الطلابية والنقابات العمالية والسترات الصفراء والمتضررين من مصاعب الإسكان والتعليم وغيرهما، ولم يكن البعد المتعلق بـ «الهجرة» عاملاً فعلياً في تحريك الاحتجاجات.

الغريب أن ثمة من يرى أن «المهاجر» مسألة مرتبطة باللون الأسود أو العرق العربي أو الأمازيغي، حتى لو كان من الجيل الرابع أو الخامس من أبناء المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا منذ 70 أو 80 عاماً، بينما تتعامل القوانين الأوروبية معهم كمواطنين «كاملي الدسم» حتى مع تطرف بعض أحزاب اليمين الأوروبي.

بل إن بعض أبناء المهاجرين مثل اللاعب الفرنسي - الجزائري الأصل زين الدين زيدان أو اللاعب الألماني - التركي مسعود أوزيل لديهما من الشعبية والقابلية في مجتمعيهما القدرة على صد أي دعوات عنصرية، فضلاً عن أن رئيسة حزب المحافظين البريطاني الذي يعد من تيار «يمين الوسط» هي من أبناء المهاجرين وذات أصول نيجيرية.

في النهاية، تظل الاحتجاجات في أوروبا، حتى مع بعض انحرافاتها نحو العنف، مرتبطة بجوانب اقتصادية ومعيشية وخدمية مدعومة بالأرقام، وتعكس جانباً من المناخ الديموقراطي الذي يسمح بمحاسبة الإدارة وتغييرها متى ما فشلت في تحقيق برامجها أو أخفقت في تقويض تداعيات الأزمات التي تواجهها، وما الأوهام العنصرية التي يروجها ترامب إلا لتخفيف آثار إخفاقاته في السيطرة على تداعيات حربه في منطقة الخليج العربي، وقبلها صعوبة وقف الحرب الأوكرانية - الروسية، كما أنها لا تلقى قبولاً إلا من أحزاب اليمين العنصري وبعض الموهومين لدينا ممن يحللون أحداث العالم من زاوية «راس العاير» في فريجهم القديم!