تحمل الانتخابات الإسرائيلية في 27 الجاري، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في 3 نوفمبر المقبل، أهمية تتجاوز حسابات السلطة في تل أبيب وواشنطن، إذ قد تحدد نتائجهما اتجاه السياسة الأميركية تجاه إيران، بين استئناف الضربات العسكرية والبحث عن تسوية تنهي الحرب. فبقاء بنيامين نتنياهو في الحكم، بالتزامن مع احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، قد يمنح دعاة التصعيد فرصة جديدة، فيما يمكن أن تفتح نتائج معاكسة الباب أمام مقاربة مختلفة، وإن لم تكن بالضرورة أكثر تساهلاً مع طهران.
وتنبع أهمية الاستحقاقين من تزامنهما مع تعثر المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، واستمرار الخلاف على مضيق هرمز والحصار المفروض على الموانئ النفطية الإيرانية، فضلاً عن تباين الأولويات بين واشنطن وتل أبيب. وبينما يسعى دونالد ترامب إلى تحقيق نتائج ملموسة قبل أن تتفاقم الكلفة الاقتصادية والسياسية للأزمة، قد يحاول نتنياهو استثمار ما يعتبره فرصة لإضعاف إيران ودفع الرئيس الأميركي إلى استئناف الضربات. وعلى هذا الأساس، تبرز 4 سيناريوهات انتخابية يمكن أن ترسم مسارات مختلفة للمرحلة المقبلة، من التصعيد إلى احتواء الحرب عبر التفاوض.
الطريق الأقصر إلى التصعيد
يمثل بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بالتزامن مع احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، الاحتمال الأكثر خطورة على فرص احتواء الحرب. ففي هذه الحالة، سيجد نتنياهو أمامه رئيساً أميركياً يملك هامشاً سياسياً أوسع للتحرك العسكري، من دون أن يواجه معارضة تشريعية قوية من حزبه أو خصومه.
ويدخل نتنياهو الانتخابات في وضع غير مريح، إذ لا تمنحه استطلاعات الرأي ضمانة لتشكيل أغلبية يمينية ودينية، بينما تنافسه قائمة «معاً»، التي تجمع نفتالي بينيت ويائير لابيد، على موقع القوة الأكبر. وإذا أخفقت الأحزاب في تشكيل ائتلاف مستقر، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة في ربيع 2027، مع بقاء نتنياهو في منصبه خلال الفترة الانتقالية.
وقد يعزز هذا الاحتمال دوافع نتنياهو إلى مواصلة المواجهة. فهو يرى في إضعاف إيران فرصة استراتيجية طال انتظارها، وقد يسعى إلى استثمار ما يعتبره تراجعاً في قدراتها لدفع ترامب إلى استئناف الضربات، بدلاً من السماح لطهران بالتقاط أنفاسها وإعادة بناء قدراتها.
أما في واشنطن، فسيتيح احتفاظ الجمهوريين بمجلسي الكونغرس لترامب تقديم النتيجة باعتبارها تجديداً للثقة بسياساته، بما قد يشجعه على المضي في خيارات أكثر تشدداً. غير أن هذا التفويض لن يكون مطلقاً، فاستمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة قد يفرضان عليه قيوداً اقتصادية وسياسية حتى في غياب معارضة تشريعية فعالة.
الخطر في هذا السيناريو أن تتلاقى رغبة نتنياهو في استكمال إضعاف إيران مع قدرة ترامب على التحرك عسكرياً، فتتراجع فرص التسوية قبل أن تتبلور ملامحها.
خروج نتنياهو ودخول الديموقراطيين
في الاتجاه المقابل، قد يفضي صعود قيادة إسرائيلية جديدة، بالتزامن مع فوز الديموقراطيين بمجلسي الكونغرس، إلى توفير بيئة أكثر ملاءمة لتسوية تفاوضية. لكن ذلك لا يعني انتقال إسرائيل تلقائياً إلى سياسة أكثر ليونة تجاه إيران، ولا أن الديموقراطيين سيعارضون كل استخدام للقوة.
فبينيت وغادي آيزنكوت، إذا اضطلعا بدور محوري في الحكومة المقبلة، ينتميان إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ولا يُتوقع أن يتخليا عن نهج متشدد إزاء التهديدات الإيرانية. لكن حكومة جديدة قد تكون أقل اعتماداً على أحزاب اليمين المتطرف الرافضة لأي اتفاق، وأكثر استعداداً للتنسيق مع واشنطن علناً، وأشد مراعاةً للتوازنات السياسية الأميركية.
في المقابل، سيكون الديموقراطيون، إذا سيطروا على مجلسي الكونغرس، تحت ضغط الوفاء بوعودهم الانتخابية بشأن خفض أسعار الوقود والمواد الغذائية وتخفيف الأعباء الاقتصادية. ومن شأن ذلك أن يعزز الحوافز للبحث عن تسوية تعيد فتح مضيق هرمز وتحد من تداعيات الحرب، بدلاً من مواصلة مواجهة تستنزف الاقتصاد وتبقي أسعار الطاقة مرتفعة.
لكن الديموقراطيين سيحتاجون أيضاً إلى تجنب تحويل الفوز إلى حملة سياسية مفتوحة لإضعاف ترامب، سواء عبر السعي إلى عزله أو تكثيف التحقيقات في إدارته. فقد يؤدي التركيز على المواجهة الحزبية إلى نفور ناخبين يريدون حلولاً مباشرة لمشكلاتهم الاقتصادية، كما أن أي استراتيجية تستهدف ترامب وحده قد تضر بفرص الحزب في انتخابات 2028.
هذا السيناريو لا يضمن السلام، لكنه قد يجمع بين حكومة إسرائيلية أقدر على التفاهم مع واشنطن وكونغرس لديه مصلحة سياسية واقتصادية في إنهاء الحرب عبر اتفاق قابل للتحقق.
فوز جزئي للديموقراطيين
قد تبقى إسرائيل بقيادة نتنياهو، فيما ينتزع الديموقراطيون السيطرة على مجلس النواب الأميركي، مع احتفاظ الجمهوريين بمجلس الشيوخ. وفي هذه الحالة، ستواجه الرغبة الإسرائيلية في مواصلة الضغط العسكري إدارةً أميركية لا تزال قادرة على إصدار الأوامر العسكرية، لكنها ستجد نفسها تحت رقابة تشريعية أشد.
ففوز الديموقراطيين بمجلس النواب قد يدفعهم إلى طرح قرارات تحد من صلاحيات الحرب، وعقد جلسات استماع بشأن الأساس القانوني للعمليات العسكرية وتكاليفها، وممارسة ضغوط على تمويل الحرب ونقل الأسلحة. وقد يصعب تحويل هذه التحركات إلى قيود ملزمة في ظل احتمال استخدام ترامب حق النقض، لكنها سترفع الكلفة السياسية لأي تصعيد جديد.
في هذه البيئة، قد يستمر نتنياهو في الضغط على البيت الأبيض لاستئناف الضربات، فيما يحاول الديموقراطيون إظهار أن الحرب لا تحظى بتأييد داخلي كافٍ، وأن استمرارها لا يقدم حلاً للأزمة الاقتصادية أو للملاحة في مضيق هرمز.
ولا يقتصر أثر هذا الانقسام على واشنطن وتل أبيب. فقد تقرأ طهران الخلافات الأميركية الداخلية باعتبارها مؤشراً إلى تضاؤل قدرة ترامب على مواصلة الحرب بلا قيود، ما قد يشجعها على التشدد في المفاوضات. وفي المقابل، قد ترى إسرائيل أن تضييق هامش الحركة الأميركية يجعل الإسراع في تحقيق أهدافها العسكرية أكثر إلحاحاً.
المحصلة المرجحة هي ارتفاع مستوى الاحتكاك بين واشنطن وتل أبيب، وتزايد الانتقادات السياسية للحرب، من دون أن يضمن ذلك وقف العمليات أو إنتاج استراتيجية مشتركة للخروج منها.
ترامب وحكومة إسرائيلية جديدة
قد يفضي الاستحقاقان إلى نتيجة معاكسة للسيناريو السابق: خروج نتنياهو من السلطة، مع احتفاظ الجمهوريين بمجلسي الكونغرس. هنا، قد تجد القيادة الإسرائيلية الجديدة نفسها أمام إدارة أميركية أقل تقييداً من الناحية التشريعية، لكنها لا تتبنى بالضرورة كل حساباتها بشأن إيران.
فالحكومة الإسرائيلية الجديدة قد تكون أكثر استعداداً للتنسيق مع واشنطن بشأن توقيت العمليات وأهدافها، وأقل ميلاً إلى تبني مطالب شركاء اليمين المتطرف الذين يرفضون التسوية. لكن ذلك لا يعني أنها ستتخلى عن الضغط على طهران أو تقبل اتفاقاً لا يبدد مخاوفها الأمنية.
في المقابل، قد يمنح احتفاظ الجمهوريين بالكونغرس ترامب مجالاً أوسع لمواصلة العمليات، إلا أن الضغوط الاقتصادية ستظل عاملاً حاسماً. فارتفاع أسعار الطاقة، وتفاقم التضخم، واستمرار اضطراب الملاحة في «هرمز» قد تجعل إطالة الحرب مكلفة سياسياً حتى بالنسبة إلى رئيس يسيطر حزبه على المجلسين.
وقد تتيح هذه التركيبة مجالاً لتفاهم أميركي ـ إسرائيلي على استخدام الضغط العسكري ضمن مسار سياسي، لكنها قد تنتج أيضاً خلافات بشأن حدود التصعيد وشروط الاتفاق مع إيران. وستتوقف النتيجة على ما إذا كان ترامب سيعتبر التفاوض وسيلة لإنهاء الحرب، أم سيواصل استخدام التهديد العسكري لانتزاع تنازلات إضافية من طهران.
في هذا السيناريو، لا يأتي الكبح من الكونغرس، بل قد ينشأ من اختلاف الحسابات بين واشنطن والقيادة الإسرائيلية الجديدة، ومن الكلفة الاقتصادية التي تفرضها الحرب على الإدارة الأميركية.
طهران تراهن على الوقت
بغض النظر عن نتائج الانتخابات، لن تكون قدرة واشنطن وتل أبيب على اتخاذ القرار العامل الوحيد الذي يحدد مسار الحرب. فقد أظهرت إيران استعداداً لامتصاص الضربات ومواصلة المواجهة، مع الاحتفاظ بأدوات للرد يمكن أن تطال الملاحة التجارية والقواعد الأميركية في المنطقة. كما أن استمرار العقوبات لم يدفع القيادة الإيرانية حتى الآن إلى قبول جميع الشروط الأميركية.
وتراهن طهران، على ما يبدو، على أن إطالة الأزمة ستزيد الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة، وتعمّق الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، وتمنحها وقتاً لتحسين موقعها التفاوضي. ويعزز هذا الرهان التباين بين الأهداف الأميركية المعلنة: فإعادة فتح مضيق هرمز تتطلب تسوية عاجلة تخفف اضطراب الأسواق، بينما قد يستدعي فرض قيود دائمة على البرنامج النووي الإيراني مفاوضات أطول وشروطاً مختلفة.
كذلك، لن يكون الدعم الأميركي لإسرائيل بمنأى عن نتائج الانتخابات. فقد أصبح موضع خلاف سياسي وشعبي أوسع مما كان عليه في السابق، فيما يربط ناخبون بين الحرب وارتفاع الأسعار وتراجع شعورهم بالأمن. ويواجه الجمهوريون بدورهم تحدياً في إقناع قاعدتهم بأن ترامب أوفى بوعوده بتحسين الاقتصاد وإنهاء الحروب الخارجية، بينما يحاول الديموقراطيون استثمار الغضب من تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية والحرب.
وتبقى قدرة أي حزب على تحويل هذا الاستياء إلى أصوات فعلية عاملاً غير محسوم، إذ ستؤثر الأموال الضخمة التي تُنفق على الحملات الانتخابية، والإعلانات الحزبية، ومشاركة الناخبين المستقلين والفئات التي تصوت عادة في الانتخابات الرئاسية دون سواها، في شكل الكونغرس المقبل.
النووي أَم «هرمز»؟
ستجد الإدارة الأميركية نفسها، أياً تكن النتائج، أمام ضرورة حسم السؤال الذي ظل يربك استراتيجيتها: هل الأولوية هي إعادة فتح مضيق هرمز سريعاً، أم فرض قيود بعيدة المدى على البرنامج النووي الإيراني، أم تحقيق الهدفين معاً؟ فاستمرار إغلاق المضيق يرفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، فيما لا يضمن تدمير منشآت أو قدرات عسكرية منفردة إنهاء التهديدات التي تقلق واشنطن وحلفاءها. ومن دون تحديد واضح للأولوية، قد تتحول الضربات العسكرية إلى جولات متكررة لا تحسم النزاع ولا تفتح طريقاً مستقراً إلى اتفاق.
كما أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستفرض على واشنطن إعادة ضبط علاقتها بالقيادة المقبلة، فيما ستحدد تركيبة الكونغرس حجم المعارضة السياسية المتاحة لترامب. وسيكون إبقاء الشركاء الخليجيين وباكستان منخرطين في الوساطة ضرورياً لتفادي انهيار ما تبقى من المسار الدبلوماسي، بعدما أظهرت تجربة يونيو أن التفاوض قادر على وقف القتال مؤقتاً، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة الخلافات الأساسية.
في النهاية، لن تنهي الانتخابات الحرب تلقائياً، ولن تجعل أي قيادة إسرائيلية جديدة أو أغلبية ديموقراطية التوصل إلى اتفاق أمراً مضموناً. لكنها ستحدد البيئة السياسية التي ستُتخذ فيها القرارات التالية: إما تقاطع أميركي ـ إسرائيلي يدفع نحو جولة جديدة من التصعيد، أو ضغوط داخلية وخلافات بين الحليفين تفتح نافذة للتفاوض، أو انقسام يحول دون اعتماد استراتيجية واضحة.
ستحدد نتائج الانتخابات، إلى حد بعيد، اتجاه المرحلة المقبلة من الحرب مع إيران، فاجتماع نتنياهو والجمهوريين قد يعزز فرص استئناف الضربات، فيما يمكن أن يفتح وصول قيادة إسرائيلية جديدة، بالتزامن مع صعود الديموقراطيين في الكونغرس، مجالاً أوسع لاحتواء التصعيد والتوصل إلى تسوية. وبين هذين الاحتمالين، قد يؤدي اختلاف موازين القوى في واشنطن وتل أبيب إلى صدام في الأولويات يربك القرار الأميركي، ويمنح طهران فرصة لاستثمار الانقسامات. وبذلك، لن تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد من يحكم، بل ستمتد إلى تحديد ما إذا كانت الحرب ستتجه نحو جولة جديدة من التصعيد، أم نحو مسار تفاوضي، أم ستبقى عالقة بين ضغط عسكري متجدد وعجز عن فرض تسوية.