ليست كل الخسائر قابلة للقياس بالفواتير، وليست كل الأرباح مما يظهر في الحسابات البنكية، فثمة أشياء صغيرة تغادر حياتنا بهدوء، لكنها تترك فراغاً أكبر من حجمها؛ دكان الحي الذي يعرف صاحبه زبائنه بأسمائهم، والخياط الذي يحفظ مقاسات رواده، والحرفي الذي ورث مهنته عن أبيه، والبائع الذي لا يحتاج إلى سؤال جاره عن أحواله، لأنه يعرفها من تفاصيل يومه. حين تختفي هذه الأماكن، قد يبدو الأمر تحولاً تجارياً طبيعياً تفرضه المنافسة وتغيُّر أنماط الاستهلاك، إلا أن هناك سؤالاً مهماً، وهو: «هل نفقد متجراً فحسب، أم نفقد معه جزءاً من اقتصاد العلاقات الإنسانية؟». 

لقد شهدت مدننا الخليجية تحوُّلات عمرانية وتجارية واسعة، وصارت مراكز التسوق والمنصات الإلكترونية تقدم خيارات لا حصر لها، وتختصر المسافات والوقت، وهذه مكاسب لا يمكن إنكارها، غير أن التطوُّر الذي يُقاس بسرعة الخدمة وتنوُّع المنتجات لا يكشف وحده ما إذا كانت الحياة اليومية قد أصبحت أكثر ثراءً من الناحية الاجتماعية. فالمتجر الصغير لا يبيع سلعةً فقط، إنه يوفر فرصة للقاء، ومساحة للتعارف، وعلاقة تتكوَّن عبر سنوات من التعامل والثقة. كما أن المهن التقليدية لا تحفظ مصدر رزق لأصحابها فحسب، بل تنقل خبرات متراكمة، وتمنح الأحياء ملامح تميزها عن غيرها. 

المفارقة أن ما يبدو أقل كفاءة، وفق الحسابات التجارية البحتة، قد يكون أكثر قيمةً في حسابات المجتمع، فحين يغلق مشروع صغير أبوابه، لا تتوقف الخسارة عند صاحبه والعاملين فيه، بل قد تمتد إلى موردٍ محلي، وحرفة مهددة بالاندثار، ومكان كان يمنح الحي شيئاً من روحه. ولا يعني ذلك مقاومة التطوُّر أو مطالبة الناس بالعودة إلى أنماط استهلاك قديمة، بل التفكير في كيفية الجمع بين التحديث والحفاظ على التنوُّع الاقتصادي والاجتماعي، ويمكن للبلديات أن تُهيئ مساحات مناسبة للمشروعات الصغيرة، وأن تدعم الأسواق الشعبية والحِرف المحلية، فيما يستطيع المستهلك أن يمنح المنتج المحلي فرصة عادلة، وألا يجعل السعر وحده معيار اختياره. كذلك، تحتاج الأجيال الجديدة إلى رؤية هذه المهن بوصفها فرصاً اقتصادية قابلة للتطوير، لا مجرَّد بقايا من زمنٍ مضى. وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الثقافية والتعليمية في تعريف الأجيال بقيمة هذه المهن، وربطها بالابتكار وريادة الأعمال، حتى لا يُصبح الحفاظ على التراث مجرَّد احتفاء بالماضي، بل استثماراً واعياً في المستقبل، ومجالاً يُتيح للشباب فرصاً جديدة للعمل والإنتاج والمنافسة. 

Ad

إن المدن الناجحة ليست تلك التي تتشابه شوارعها ومتاجرها في كل شيء، بل التي تستطيع أن تتقدَّم من دون أن تفقد ملامحها الخاصة. فقد نربح الوقت حين نشتري كل شيء بضغطة زر، لكننا نحتاج أحياناً إلى أن نتذكَّر أن بعض القِيم لا تُشترى، وأن بعض ما يصنع جودة الحياة لا يظهر في مؤشرات النمو. فهل نقيس ازدهار مُدننا بما تضيفه من مشروعات كبيرة فحسب، أم بما تستطيع أيضاً أن تحافظ عليه من أشياء صغيرة تجعل الحياة فيها أكثر إنسانية؟

* كاتب سعودي