في سنوات خدمتي الطويلة بالقطاع الصحي، وخلال تولي مسؤولية الحقيبة الوزارية، مرَّت عليَّ أزمات وأوبئة شتى، بعضها ظهر في صورة فيروس، وبعضها امتد أثره عبر سنوات. لكن التحدي الأخطر الذي يفرض نفسه اليوم لا ينتقل عبر الهواء، بل يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية من خلال الشاشات، ليقتطع من نومنا، وانتباهنا، وعلاقاتنا، وقدرتنا على التحكم في أوقاتنا.
وباء في كل بيت
إنه سؤال يتجاوز مجرَّد حساب عدد الساعات التي نقضيها أمام الهاتف: مَنْ يملك انتباهنا حقاً؟ نحن أم المنصات الرقمية التي صُمِّمت بعناية لتبقيه لديها؟
توقفت كثيراً عند الطرح الذي قدَّمته الطبيبة النفسية الدكتورة أنا ليمبكي في كتابها «أمة الدوبامين». فهو يلفت النظر إلى جرح صحي واجتماعي عميق: كيف يمكن للمثيرات السريعة والمتكررة أن تجعل الحياة الهادئة أقل جذباً، وأن تدفع الناس إلى العودة للشاشة مراراً وتكراراً رغم معرفتهم بأنها تسرق وقتهم وتعوق مسؤولياتهم؟
الدوبامين وشبكة السعادة
الدوبامين مادة كيميائية طبيعية يصنعها الدماغ لتساعدنا على التعلم والتحفيز، وتمنحنا شعوراً بالإنجاز حين نسعى جاهدين وراء ما ينفعنا. وتظهر جاذبيته الرقمية في اللحظة التي نسمع فيها صوت إشعار، فنترقب رسالة أو تفاعلاً أو مقطعاً ممتعاً. حين نفتح الهاتف، نحصل على مكافأة صغيرة، ثم نعود بعد قليل لترقب مكافأة أخرى. هذا التتابع الدائم بين الترقب والمكافأة يُوقع العقل في فخ العادة المتكررة التي يصعب ضبطها.
لكن الدوبامين لا يعمل وحده، فالسعادة الحقيقية هي حصيلة تفاعل معقد لشبكة كيميائية كاملة داخل الدماغ تزدهر بالتواصل الإنساني والراحة والنشاط البدني. لذلك، عندما نتحدَّث عن «عصر الدوبامين الرقمي»، فنحن نحدِّد مجازاً حالة مجتمع باتت شاشاته تقدم له مكافآت زائفة وسريعة تلتهم قدرته على التركيز.
المراهقون في قلب العاصفة
تُعد مرحلة المراهقة فترة حساسة في نمو الدماغ والسلوك، حيث يتزايد فيها الاحتياج للقبول الاجتماعي وردود فعل الأقران، فيما لا تزال مهارات ضبط النفس والتخطيط في طور النمو. ولهذا السبب، قد تؤثر المقارنات المستمرة والتعليقات والتدفق الرقمي المتواصل تأثيراً كبيراً في المراهقين، خصوصاً حين يأتي ذلك على حساب نومهم، أو دراستهم، أو نشاطهم البدني.
الهدف ليس القول إن المنصات ضارة مطلقاً، فهي قد تكون نافذة للتعلم والتواصل. لكن السؤال الأهم هو: ماذا يشاهد المراهق؟ ومتى؟ وكيف تؤثر الشاشة في نومه ومزاجه وعلاقاته؟
الأرقام تدق ناقوس الخطر
تؤكد البيانات الحديثة حجم هذه الأزمة، إذ كشف تحليل لمراكز مكافحة الأمراض الأميركية (CDC) لعام 2024 أن 77 في المئة من طلاب الثانوية يستخدمون منصات التواصل عدة مرات يومياً، وهو ما ارتبط بارتفاع معدَّلات التنمُّر والحزن ومؤشرات خطر الانتحار، فيما أظهر استطلاع عام 2025 أن 45 في المئة من المراهقين يقرون بتأثير الشاشات السلبي المباشر على نومهم وإنتاجيتهم.
العالم يتحرَّك: حماية الصغار مسؤوليتنا جميعاً
أمام هذه الأرقام المقلقة، لم يعد خطر العالم الرقمي مسؤولية الأسرة وحدها. فقد تحرَّكت دول عدة (مثل: أستراليا، وإندونيسيا، والإمارات، وفرنسا) لفرض ضوابط تشريعية، تشمل تحديد سن أدنى للحسابات الشخصية، وإلزام المنصات بفرز المستخدمين، وحظر استعمال المنصات عالية الخطورة لمَنْ هم دون سن الـ 15. هذه الخطوات تؤكد أن حماية أطفالنا تقتضي تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمنظومة الصحية والمشرِّع وشركات التكنولوجيا معاً.
خريطة طريق: استعد انتباهك خطوة بخطوة
لا نحتاج إلى انقطاع رقمي كامل، بل إلى خطوات واعية لتنسيق علاقتنا بالتكنولوجيا داخل البيت:
● إبعاد الهاتف عن غرفة النوم: لضمان الحصول على جودة نوم عميقة وراحة ذهنية.
● إيقاف الإشعارات غير الضرورية: لكسر حلقة الترقب والمكافأة الدائمة.
● مساحات خالية من الأجهزة: تخصيص أوقات محددة يُمنع فيها استخدام الهاتف، مثل أوقات وجبات الطعام أو الاستذكار.
● الحوار بدلاً من العقاب: فتح نقاش هادئ مع المراهق حول ما يشاهده وتأثيره في مشاعره، بدلاً من الاكتفاء بالتوبيخ أو المصادرة.
اكتشف بدائل حقيقية للسعادة
إن خفض استخدام الشاشة وحده لا يكفي، بل لا بد من ملء الفراغ ببدائل تُعيد إلى اليوم ثراءه، كالعناية بالجسد عبر ممارسة الرياضة والحركة في الهواء الطلق، وتغذية الروح بالحرص على الصلاة في المسجد وما تمنحه من سكينة، وتنمية العقل بقراءة الكُتب وتدبُّر القرآن الكريم، وصولاً إلى تعزيز الترابط الأسري، ومنح الوقت للهوايات، وصنع ذكريات دافئة في اللقاءات المباشرة. وأخيراً، لا تجعلوا الملل عدواً تُهرعون منه فوراً إلى الشاشة، بل اعتبروه فسحة هادئة يحتاجها العقل ليلتقط أنفاسه ويستعيد صفاءه ويفسح المجال للإبداع والخيال.
المعركة على عقول أبنائنا... تبدأ باستعادة انتباهنا
لسنا ضد التكنولوجيا، نحن ضد أن تتحوَّل إلى قوة خفية تُدير يومنا وتزاحم أبناءنا على انتباهنا لحظةً بعد لحظة. فالشاشة نافذة نافعة حين نختار نحن ما نراه ووقت مشاهدته، لكنها تُصبح قيداً حين نعجز عن إغلاقها.
إن حماية المراهقين لا تتحقق بالخوف من العالم الرقمي ولا بتركهم وحدهم فيه، بل بالعلم الذي يرشدنا، والأسرة التي تصغي وتضع حدوداً واعية. وحين نغلق الشاشة بإرادتنا، فنحن لا نبتعد عن العالم، بل نستعيد حقنا الكامل في أن نعيشه ونراه بصفاء.
*وزير الصحة الأسبق