بالعودة إلى فترة الثمانينيات وإلى أيام الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة الأميركية، وفي مشهد لا تزال الذاكرة تحتفظ به، كنّا نصطف في طوابير صغيرة لنصل إلى موظف التسجيل الذي يقوم بإدخال المواد الدراسية على الحاسوب.

الطفرة في التطبيقات والبرمجيات الإلكترونية والرقمية التي حصلت خلال العقود القليلة الماضية، كانت أكبر من أن يتصورها العقل، ومع ذلك استطاع الإنسان مجاراتها؛ كلٌّ على قدر حاجته، لكن ومع ظهور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فالأمر يختلف تماماً، بل إنه قد يبدو مرعباً.

خلال السنوات الأخيرة، ظهر علم الذكاء الاصطناعي، وبتطبيقات متاحة للعامة بالمجان ولأهل الاختصاص من خلال اشتراكات رمزية.

Ad

تداخل علم الذكاء الاصطناعي مع العلوم الحياتية وقدرته على التفكير خارج نطاق البشر هو في الحقيقة بمنزلة سلاح ذي حدين، فمن جانب وفّرت تطبيقات الذكاء والروبوتات فرصة كبيرة للإبداع والابتكار بما يخدم البشرية، ومن جانب آخر ظهرت تحذيرات العلماء وأهل الاختصاص من مغبة تمكين الذكاء الاصطناعي من اتخاذ القرارات، بعيداً عن الرقابة البشرية.

تحذيرات الإفراط في الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي بسبب إمكانية اختراق تلك البرامج من قبل «الهاكرز»، ومن فرضية قدرتها على اتخاذ القرارات دون الحاجة إلى توجيه، علماً بأنها ليست مستبعدة إذا ما نظرنا إلى فرضيات محاكاة الخيال العلمي، والتي عمد الإعلام الأميركي إلى ترسيخها في العقول، بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد لمّح لها من خلال تغيير المصطلح إلى «الذكاء الفائق»!

هناك جدل كبير يدور حالياً في الأوساط السياسية والعلمية، يقوم على أن الذكاء الاصطناعي قد استخدم في تحديد بنك الأهداف العسكرية واتخاذ القرارات اللازمة، وهو فعل يتناقض والقيم الوجدانية والأخلاق الإنسانية.

ومع انطلاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدأت تظهر مشاكل جديدة يمكن قياسها على انتشار السرقات العلمية والفكرية، والاختراقات الأمنية والمالية والمعلوماتية المتعلقة بالأفراد والمؤسسات.

المحصلة، نحن أمام علم يتطلب الكثير من الاهتمام والتحضير، ولعل حكومة الكويت أدركت قيمة وأهمية هذه التطورات، فعمدت إلى مواكبتها، من خلال اتخاذها خطوات إجرائية تمثّلت في إبرامها شراكات استراتيجية في هذا القطاع، وتوجيهها لمؤسسات التعليم العالي، ومنها جامعة عبدالله السالم بفتح التخصصات العلمية المتخصصة المرتبطة بهذا المجال، كما عمدت إلى إدراجه ضمن خطة التعليم العالي للابتعاث.

مستقبل العالم قد يكون مرتبطاً بشكل أساسي مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقد تكون الفوائد عظيمة، لكن هذا لا يعني إغفال المخاطر التي قد تواجهها البشرية خلال العقد الحالي والمقبل، إذا ما استُخدمت هذه التكنولوجيا بغير محلّها في الحروب السيبرانية والاحتيال، والتضليل السياسي والمعلوماتي، واحتكار المعرفة، وفي التجسس وتطوير الأسلحة التقليدية والمحرّمة ضمن إمكانات مادية وبشرية غير مكلفة، فضلاً عن خطورة وجود الأخطاء الحسابية التي قد تُرتكب في القطاعات الحساسة.

من المؤكد أن عالمنا العربي برمّته كان خارج ركاب الصناعة والتكنولوجيا الرقمية التي حدثت خلال العقود الماضية، بعد أن اكتفى باستخدامها، ولا أعلم إن كان سيفوّت الفرصة مرة أخرى، أم سيكون شريكاً في هذه الثورة المعلوماتية الجديدة.

ودمتم سالمين.