منذ زمن كنت مجبراً على تصديق المثل العربي (إكل ما يعجبك.. وإلبس ما يعجب الناس)، داخل الكويت فقط، حتى أساير التيار الاجتماعي السائد، والذي يسمح لكل من هب ودب أن يتدخل في أدق تفاصيل خصوصياتك، وإلا أصابك طشار الانتقادات السخيفة (ليش لابس صيفي بالشتا؟.. ليش لا بس دلاغ أسود على جوتي ابيض؟.. ليش مو لابس غترة وعقال؟). وقتها كان بودي أن أرد على هذا المتطفل وبطريقة مؤدبة بسؤال (ماذا تستفيد من طرحك لمثل هذه الأسئلة؟.. ماذا ستجنيه من معلومات؟).. ثم أختم هذا النقاش العقيم (الله يخليك.. خلني في حالي!!). هذا الوضع يذكرني بمقولة (لا أحد يعرف أن حذائي يضيق على قدمي)، فكل إنسان له أسراره الخاصة، كوضعه الأسري، أو حالته المادية، أو مشاكله الصحية، التي لا يريد أن يطلع عليها الآخرون، حتى لو كانوا أقرب الناس إليه. هناك أناس يعيشون بيننا مجبرون على ارتداء لباس معين يتعارض مع طبيعة الطقس، لتجنب مضاعفات مرض ما، كالحساسية مثلاً، فلماذا يسمح البعض لأنفسهم بالتدخل في شؤون الآخرين وكأنه حق من الحقوق الاجتماعية؟
ولو طبقت هذا المثل الشعبي، الذي لا يمت إلى حقيقة المجتمع الكويتي أيام الزمن الجميل، ولا يعكس واقعنا الاجتماعي الكويتي الحالي، لأجبرت نفسي على الانقياد كالأعمى وراء أذواق الناس. ولا أدري كيف يلصقونه بتراث قديم عشناه بتفاصيله، حين كنا نرى ونسمع ونشعر بشكل تلك الحياة البسيطة وحقيقة الفوارق الطبقية بين الغني والفقير، دون أن تسبب هذه الفوارق حساسية بين أفراد المجتمع. ولازلت أذكر بشيء من المتعة عندما كنا، أنا وعصام محمد البحر، نخرج من مدرسة عمر ابن الخطاب (في الهَدَّه) نكمل سيرنا مشياً، هو يدخل بيت ضخم على طراز حديث، بينما أكمل الطريق نحو بيتنا الصغير المتواضع على بعد 500 متر. أقسم بالله إنني لم أشعر بأنه من طبقة التجار، ولم يشعرني هو بأنني من الطبقة الكادحة، ولهذا يحلو لنا أن نطلق على تلك الحقبة بالزمن الجميل.
هذا المثل الشاذ يمكننا تطبيقه على كويتيي اليوم فقط، لأننا اليوم نشعر أن كل الكويتيين أغنياء، وأغلبهم يسكنون فللاً، حتى من يحصل منهم على بيت حكومي من ذوي الدخل المحدود، لا تمر سنتين أو ثلاث ليجري تعديلات على هذا البيت ليبدو مختلفاً ولينكر وضعه المادي. ونشعر بثراء الكويتيين، ظاهرياً، لأنهم يكثرون من السفر، حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع، من أجل المفاخرة بكثرة أسفارهم، ولا يعلم عن سوء أحوالهم المادية إلا البنك الذي أقرضهم قيمة السفر، ليبدأوا رحلة السداد لسنوات مقبلة بمجرد عودتهم من سفريتهم (النفاقية). اليوم، غالبية الكويتيين متشابهون في طريقة معيشتهم، لأنهم يتصرفون كالأثرياء، وينفقون ببذخ، ويلبسون حسب الموضة ويطبقون هذا المثل الأعوج ظنا منهم أن سلوكهم هذا يعجب الناس، فيرتاحون نفسياً ظاهرياً.
ولهذا السبب نشعر أن شباب اليوم (ذويقين) في ملبسهم، وأن كل البنات أنيقات ويشبهن بعضهم البعض وكأنهن توائم، فكلهن لهن شفايف كبوز البطة، ولهن خدود منفوخة، وحواجب مرفوعة وعيون مسحوبة وأرداف وارمة، فلا تقدر على التفريق بينهن بسبب عمليات التجميل، لتتحقق أهداف الأغنياء باختراع الموضة لينفق عليها أغبياء الفقراء من محدثي النعمة (New Money)، ليظهروا بمظهر الأثرياء، وللحديث بقية.