لا أدري كيف وصلت بعض إدارات أنديتنا إلى قناعة بأن الانسحاب من المسابقات الرياضية يمكن أن يكون حلاً للأزمات، وكأن تجاهل المشكلة كفيل بإنهائها، آخر فصول هذا المشهد هو انسحاب ناديي القادسية والسالمية من مسابقات كرة اليد لفئة العمومي هذا الموسم، في خطوة تكشف حجم الخلل الذي تعيشه رياضتنا.

نحن نتحدث عن ناديين من معاقل كرة اليد الكويتية، يملكان تاريخاً طويلاً من البطولات والإنجازات، وأسهم كل منهما في اكتشاف نجوم رفدوا المنتخبات الوطنية لسنوات، فهل أصبح هذا التاريخ عبئاً على الإدارات بدلاً من أن يكون مسؤولية تدفعها للمحافظة على إرث النادي وتطويره؟ والأكثر غرابة أن الانسحاب جاء دون كتب رسمية، بل بالاكتفاء بالغياب عن المباريات، وكأن المسابقات وحقوق المنافسين واللاعبين أمور يمكن تجاوزها بالصمت، والمدهش أن السالمية لم يعلن أسباباً واضحة، في حين اكتفى القادسية بتصريح لمدير اللعبة للصحافة، أشار فيه إلى أن الانسحاب خطوة أولى لبناء فريق شاب وعلى أسس صحيحة، وهو عذر أقبح من ذنب، فإذا كان بناء فريق شاب هدفاً مشروعاً، فمن قال إن البناء يبدأ بالانسحاب؟ وهل صناعة فريق للمستقبل تستوجب إيقاف الحاضر؟ الشباب لا يُبنى بإطفاء المنافسة، ولا تُصنع الأجيال الجديدة بقرارات مفاجئة تترك علامات استفهام أكبر من الإجابات.

وفي واقع الأمر فإن المشكلة الحقيقية تتجاوز المبررات المعلنة أو الغائبة، إنها أزمة مالية تضرب الناديين، في ظل ضعف القدرة على إيجاد مصادر تمويلية بديلة، بالتزامن مع تركيز الإنفاق على فرق كرة القدم، التي تعاني بدورها أزمات فنية ومالية، وهنا يبرز السؤال: إلى متى ستظل كرة القدم تبتلع النصيب الأكبر من ميزانيات الأندية، بينما تُترك الألعاب الأخرى لمواجهة مصيرها؟ لذلك من الواجب القول إن الأزمة ليست في شح المال وحده، بل في كيفية إدارته، وغياب التخطيط، والعجز عن تنويع مصادر الدخل، فالإدارة الناجحة لا توزع الأزمة على فرق النادي، بل تبحث عن الحلول وتعيد ترتيب الأولويات، بدلاً من جعل اللاعبين يدفعون فاتورة أخطاء لم يرتكبوها.

Ad

والأكثر إيلاماً أن الناديين، فيما يبدو من قراريهما، لم يمنحا تأثير الانسحاب على المسابقات المحلية والمنتخب الوطني ما يستحقه من اهتمام، فالمسابقات لا تقوم على أسماء الأندية وحدها، بل على انتظام مشاركتها، وقوة المنافسة، واستمرار احتكاك اللاعبين، وعندما تتراجع قاعدة المنافسة، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود نادٍ أو بطولة، بل يمتد إلى مخزون المنتخب من اللاعبين والخبرات.

أما اتحاد كرة اليد، فبدا وكأنه اختار مقعد المتفرج، مكتفياً بتوقيع العقوبات بسبب الانسحاب، ولا شك أن اللوائح يجب أن تُطبق، لكن هل تنتهي مسؤولية الاتحاد عند تسجيل الغياب وفرض العقوبة؟ أين محاولات التواصل مع الإدارتين؟ وأين التحرك لاحتواء الأزمة وحماية المسابقات والمنتخب الوطني من تداعياتها؟ فالعقوبات قد تعالج مخالفة لائحية، لكنها لا تعالج أزمة مالية، ولا تعيد فريقاً إلى المنافسة، ولا تصنع لاعباً للمنتخب، والمطلوب ليس تجاوز اللوائح، بل الجمع بين تطبيقها والتحرك لمعالجة المشكلة، بدلاً من الاكتفاء بدور الحكم الذي يسجل المخالفة ثم يغلق دفتره.

بنلتي

أنانية في القرار، وعجز عن الحلول، وسوء إدارة للموارد، ثلاثة عناوين تختصر المشهد، إدارات تنسحب، واتحاد يعاقب، وكرة اليد والرياضة الكويتية تدفع الثمن، في وقت يبدو أن الجميع مشغول بتبرير موقفه، ولا أحد مستعجل على إنقاذ اللعبة.