يعكس قرار حكومة أذربيجان القاضي بتعديل قواعد الزي في المدارس الحكومية بما يفضي عملياً إلى منع لبس الحجاب في أيٍّ من المؤسسات التعليمية صورة من نموذج شنيع للتطرف العلماني، الذي يمس حريات الناس وخياراتهم، ويمنعهم من ممارسة معتقداتهم الدينية، وكذلك الثقافية والاجتماعية.

فقرار أذربيجان، وإن لم يسمِّ الحجاب تحديداً من ضمن الممنوعات، فإنه حرم، كما ورد في القرار، أي لباس «يخلّ بوحدة الزي المدرسي المعتمد ولا يتوافق مع مبدأ علمانية التعليم العام» في مجتمع يشكل فيه المسلمون ما يتجاوز 93 في المئة من الشعب، ويعد الحجاب فيه عنصراً أساسياً من لباس النساء هناك، وهو ما أدى عملياً إلى منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول مدارسهن أو حضور الدروس.

اللافت أن أذربيجان ومثيلاتها من علمانيات العالم الثالث، خصوصاً في آسيا الوسطى كطاجيكستان وتركمانستان وغيرهما، ترى العلمانية فقط من زاوية تقييد العبادات في الإسلام أو مظاهره كاللحى والحجاب، وتبذل جل جهدها لطمس الدين من الحياة العامة، وترفض أن تتعامل مع العلمانية المعتدلة كنموذج يضمن حيادية الدولة تجاه الحريات الشخصية والعامة بحيث تحترم القيم الدينية في إطار الإدارة المدنية، أو بالأحرى الديموقراطية التي تصل في أفضل نماذجها إلى ضمان تداول السلطة وحرية نقدها، فضلاً عن تغييرها.

Ad

في عالمنا اليوم لا يقتصر التطرف على شكل واحد تحاول قوى عديدة أن تحصره في نطاق «التيارات الإسلامية» حتى لو تبنت نماذج معتدلة، فالتطرف العلماني يعكس غالباً نموذجاً دكتاتورياً يقيد حريات الناس في ملابسهم وعباداتهم فضلاً عن آرائهم السياسية والاجتماعية.

 وكذلك لا يمكن الحديث عن أي تطرف دون التطرق إلى التطرف الصهيوني الذي يعكس أبشع الصور تطرفاً في العالم بكل ما يحمله من فصل عنصري وإبادة مدنية وتهجير لأهل الأرض، فضلاً عن هدم المساكن وقصف المستشفيات ومنع الأطفال من أبسط مقومات التعليم، مما يجعل تطرف الصهاينة إرهاباً في حد ذاته، وهو الأخطر والأكثر بشاعة على وجه الأرض، خصوصاً أنه يستمد حصانته من اعتراف وحماية دوليتين.

كذلك يمكن اعتبار الأنظمة الدكتاتورية في العالم التي تقتل معارضيها وتسجنهم على أبسط كلمة أنظمة متطرفة في استخدام سلطتها على نحو غير مسؤول.

اللافت هنا على صعيد التناقض أن يصف الإعلام الغربي الدول المسلمة التي تمنع أو تضع اشتراطات للحفلات الغنائية الصاخبة مثلاً دولاً «منغلقة» أو تمارس أفعالاً متطرفة، لكنه لا يدين في معظمه منع حريات الناس من ارتداء الحجاب أو أي مظاهر دينية، وكذلك يتسامح مع دول أوروبية تمنع النقاب والحجاب في العديد من المؤسسات.

في اعتقادي، ليس من العدل قولبة التطرف في تيارات دينية إسلامية فقط حتى إن وجدت في بعضها من يستحق أن يوصف بالتطرف، وكذلك غير مقبول أن يصمت العالم عن نماذج أخرى من التطرف المصحوب بالقمع، حتى الجريمة والعنصرية، كما يصمت مع نماذج التطرف العلمانية والصهيونية والدكتاتورية... وما منع الحجاب في مدارس أذربيجان إلا نموذج أو صورة تعكس ازدواجية العالم في تعريف التطرف.