يبدو أن «اتباع العلم» يعني، لدى اليسار، اعتناق الاشتراكية. هذا ما يدافع عنه عبد السيد، المرشح الديموقراطي اليساري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الذي يروّج لسياسات اقتصادية واجتماعية سبق أن أخفقت في بلدان أخرى، لكنه يتوقع أن تحقق نتائج مختلفة إذا طُبّقت في الولايات المتحدة.

في عالم الأدوية، تتوقف الشركات عن تطوير العقاقير التي تثبت التجارب عدم فاعليتها. أما السياسيون اليساريون، فيبدو أنهم لا يتعلمون من إخفاق التجارب السابقة، بل يعيدون طرح السياسات نفسها، وكأن تغيير حجم التجربة كفيل بتحويل الفشل إلى نجاح.

خذوا الضرائب على الثروات مثالاً. فقد جرّبت دول أوروبية عدة فرضها، قبل أن تتراجع عنها بعدما دفعت أصحاب الثروات إلى نقل أموالهم أو مغادرة البلاد. وكانت فرنسا تخسر، في المتوسط، نحو 580 أسرة سنوياً من أصحاب الثروات الصافية الكبيرة، قبل أن تلغي الضريبة. ومع ذلك، يريد عبد السيد توسيع الضرائب على الأغنياء، متجاهلاً الدرس الواضح: رأس المال يتحرك، وأصحاب الدخول المرتفعة يستطيعون الانتقال إلى أماكن توفر لهم بيئة ضريبية أكثر ملاءمة.

Ad

ولا يقتصر الأمر على الأفراد والأسر. فالولايات الأميركية ذات الضرائب المنخفضة تجتذب أيضاً مزيداً من النشاط الاقتصادي والأثرياء، بينما تؤثر الضرائب المرتفعة في قدرة الدول على استقطاب المواهب والاستثمارات. 

يدعو عبد السيد إلى فرض ضريبة على الثروة، ورفع معدل ضريبة الأرباح الرأسمالية إلى مستوى ضريبة الدخل العادي على الأرباح التي تتجاوز مليون دولار، وإلغاء سقف الدخل الخاضع لضريبة الضمان الاجتماعي، فضلاً عن زيادة الضرائب على أصحاب الدخول الأعلى. وتذهب مقترحات ديمقراطية أخرى إلى فرض معدلات ضريبية تبلغ 43 في المئة أو 49 في المئة على بعض الفئات. وإذا أضيفت الضرائب الفيدرالية إلى ضرائب الولايات، فقد تتجاوز النسبة الإجمالية 60 في المئة، بل وتصل إلى أكثر من 70 في المئة في بعض الحالات.

قد تبدو هذه السياسات جذابة لمن يرون أن فرض مزيد من الضرائب على الأغنياء هو الطريق إلى العدالة الاجتماعية. لكن التجربة الأوروبية لا تقدم دليلاً مقنعاً على نجاح هذا النهج. فالضرائب المرتفعة لم تضمن ازدهار الاقتصادات أو تحسين الخدمات العامة، بل ساهمت في إبطاء النمو، وأضعفت قدرة الحكومات على تمويل التزاماتها المتزايدة.

أما في مجال الرعاية الصحية، فيدعم عبد السيد نموذج «الرعاية الطبية للجميع»، الذي يعد بتغطية شاملة من دون أقساط تأمين أو مبالغ تحمّل أو خصومات من المرضى أو قيود على شبكات مقدمي الخدمة. لكن السؤال الأساسي هو: أين يوجد نظام يحقق كل هذه الوعود بالفعل؟

حتى برنامج «ميديكير» الأميركي التقليدي لا يخلو من تكاليف يتحملها المستفيدون، كما يعتمد كثير من كبار السن على خطط «ميديكير أدفانتج» التي تديرها شركات خاصة. وتغطي هذه الخطط نحو نصف المستفيدين من البرنامج، وقد تكون أقل تكلفة في بعض الحالات بفضل قدرتها على الحد من الهدر والاحتيال وتحسين إدارة الرعاية. ومع ذلك، يريد بعض الديمقراطيين إلغاء هذا الخيار الخاص، بدلاً من دراسة ما قد يقدمه من مزايا.

وتُظهر الأنظمة الصحية العامة في دول أخرى أن الرعاية الممولة من الحكومة ليست مجانية فعلياً، إذ تُدفع تكلفتها من خلال الضرائب على الرواتب والاستهلاك، فضلاً عن أشكال أخرى من الإيرادات العامة. كما أن محدودية الموارد قد تؤدي إلى فترات انتظار طويلة للحصول على الرعاية المتخصصة. وتشير المقارنات إلى أن 17 في المئة من المرضى الأميركيين ينتظرون أكثر من شهرين لمقابلة اختصاصي، مقابل 48 في المئة في كندا، و45 في المئة في فرنسا، و43 في المئة في بريطانيا.

ومن غير المرجح أن يسعى الديمقراطيون إلى حظر التأمين الصحي الخاص فوراً، نظراً إلى معارضة النقابات وغيرها من الجهات المستفيدة من النظام الحالي. لكنهم قد يتجهون إلى توسيع التنظيمات الحكومية، في محاولة لمعالجة المشكلات التي أفرزها قانون الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباماكير»، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التدخلات والتعقيدات.

إن المشكلة في مشروع عبد السيد ليست مجرد اختلاف في الرأي حول حجم الحكومة أو توزيع الأعباء الضريبية، بل في تجاهل النتائج التي أفرزتها تجارب سابقة. فالسياسات الاقتصادية لا تنجح لمجرد أن أصحابها يصفونها بأنها علمية أو عادلة. ينبغي الحكم عليها وفق آثارها الفعلية في النمو والاستثمار والخدمات العامة وحياة الناس.

إذا كان عبدالسيد يريد حقاً اتباع العلم، فعليه أن يأخذ نتائج التجارب السابقة على محمل الجد، لا أن يعيد تطبيق سياسات أخفقت في أماكن أخرى ثم يتوقع نتائج مختلفة. إن توسيع التجربة الاشتراكية ليس تقدماً علمياً في حد ذاته، بل مخاطرة قد يدفع ثمنها المرضى ودافعو الضرائب والاقتصاد الأميركي بأسره.

* أليسيا فينلي