تكشف الحرب في أوكرانيا أن سباق الابتكار العسكري لا يتوقف، وأن المسيّرات الرخيصة قد تتحول إلى تهديد بالغ الخطورة. فالتأخر في التكنولوجيا أو القدرة الإنتاجية قد يُدفع ثمنه أرواحاً. ويتمثل أحدث اختراق روسي في تطوير مسيّرات تعمل بالمحركات النفاثة، لا تملك أوكرانيا حتى الآن وسيلة فعالة للتصدي لها. لكن كييف تمتلك أساساً يمكنها من اللحاق سريعاً بالتطور، وعلى الغرب أن ينتبه، فقد يحتاج إلى الاستفادة من تجربتها.
تبلغ سرعة هذه المسيّرات 375 ميلاً في الساعة، ويمكنها التحليق على ارتفاع نحو 5.5 أميال، ما يجعلها أسرع من أن تعترضها المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية الحالية، وأعلى من أن تصل إليها أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف. ويصل مداها إلى نحو 600 ميل، ويمكنها حمل قرابة 200 رطل من المتفجرات. ولا تعترض أوكرانيا سوى 55% منها، مقابل أكثر من 90% من مسيّرات «شاهد» الأقدم. وتطلق روسيا ما يصل إلى 100 مسيّرة نفاثة يومياً، لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 100 ألف دولار، فيما يمثل توسيع إنتاجها أولوية للكرملين.
ولا يقتصر الخطر على أوكرانيا. ففلاديمير بوتين يريد تقويض حلف شمال الأطلسي، ويختبر حدود التصعيد الذي يمكنه ممارسته في أوروبا. وقد تزايدت حالات دخول المسيّرات إلى المجال الجوي للحلف، فيما أخفقت دول أوروبية مراراً في رصد مسيّرات مشبوهة قرب منشآت عسكرية وبنى تحتية حساسة. ويحذر خبراء من أن روسيا قد تكون وراء هذه الاختراقات لاختبار ثغرات الدفاعات الجوية.
وتحدثت تقارير عن تحذيرات استخباراتية أميركية من احتمال شن موسكو هجوماً بالمسيّرات على أوروبا انطلاقاً من سفن في البحر المتوسط. كما تتبادل روسيا معلومات عن تقنيات المسيّرات وأساليب استخدامها مع الصين وإيران وكوريا الشمالية. ونشر مدوّن عسكري روسي خرائط لأهداف محتملة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وبولندا، تشمل قواعد عسكرية وشركات دفاع وتكنولوجيا ومحطات نووية وموانئ ومطارات. ويتطلب الردع القدرة على كشف التهديدات وامتلاك وسائل فعالة ومنخفضة التكلفة لإبطالها، لكن لدى خصوم الغرب أسباباً للشك في توافر الأمرين.
لفهم استجابة أوكرانيا، زرت الشهر الماضي مركزاً للدفاع الجوي يتولى حماية كييف. ويجمع النظام الأوكراني بيانات من عشرات الآلاف من أجهزة الاستشعار الصوتية والبصرية والحرارية والرادارات، المنتشرة على طول الجبهة وفي أنحاء البلاد. وتعرض خريطة رقمية مباشرة كل ما يجري في المجال الجوي، فيما يقدم النظام معلومات عن عدد التهديدات وأنواعها ومواقعها وسرعتها.
ويمكنه توفير ما يصل إلى 150 معلومة تفصيلية عن التهديد الجوي الواحد، بينما لا يستطيع الإنسان، من دون مساعدة التكنولوجيا، رصد سوى أقل من خمس معلومات. وتساعد أنظمة ذكاء اصطناعي مغلقة على تحليل البيانات واتخاذ قرارات سريعة، كما تنسق مراكز الدفاع بين وسائل الاعتراض الحركية والإلكترونية لتجنب إصابة القوات الصديقة.
ويقول نائب قائد المركز إن الهجمات الروسية المشتركة بالصواريخ والمسيّرات تهدف إلى إغراق الدفاعات، وإن مواجهتها تتطلب توزيع الاستجابة على مراحل. وتُعد الحرب الإلكترونية الخيار الأقل تكلفة، إذ يحدد النظام ما إذا كانت المسيّرة عرضة للتشويش، ثم يختار الإجراء المناسب. وإذا فشل ذلك، تُنسق الردود على مستويات مختلفة، جغرافياً وعملياتياً، على غرار الدفاع الجماعي في كرة القدم. والهدف هو استخدام أرخص وسيلة متاحة في أبكر مرحلة ممكنة.
تمنح هذه المنظومة أوكرانيا أفضلية في تطوير وسيلة اعتراض رخيصة وموثوقة للمسيّرات النفاثة. فقد جمعت كييف معلومات استخباراتية واسعة عن طريقة عملها، ما يساعد المطورين على تحديد المشكلات التقنية المطلوب حلها. وتخضع عدة أنظمة اعتراضية للاختبار، ويحصل المطورون على ملاحظات سريعة تمكّنهم من تعديل تصاميمهم. كما تتيح بنية الدفاع الجوي إدماج أي وسيلة جديدة فور جاهزيتها.
لكن يوري ساك، المستشار السابق في وزارتي الدفاع والصناعات الاستراتيجية الأوكرانيتين، يحذر من صعوبة المرحلة المقبلة. فالسرعات العالية للمسيّرات تتطلب تقنيات متقدمة قد يصعب الحصول عليها، كما أن توسيع الإنتاج مهمة شاقة في ظل الهجمات المستمرة.
وفي كييف، بلغت كثافة الضربات الجوية حداً يدفع السلطات إلى التفكير في تصنيف العاصمة مدينة على خط المواجهة. ولا يقتصر الخطر على المدنيين، إذ تستطيع روسيا استهداف مصانع الأسلحة وشبكة الطاقة في آن واحد. ويحتاج إنتاج الأسلحة على نطاق واسع إلى كهرباء مستقرة، فيما تهدد الهجمات على الطاقة والموانئ وسفن تصدير الحبوب الاقتصاد الأوكراني وإيرادات الضرائب. وقد يكون التصنيع المشترك في الدول الشريكة أفضل الخيارات المتاحة.
ويستطيع الغرب تقديم مزيد من المساعدة. فمقاتلات «إف-16» من أكثر وسائل الدفاع موثوقية ضد المسيّرات النفاثة، لكن أوكرانيا تستخدمها بمعدل يفوق توقعات الغرب، وأصبح عدد كبير منها خارج الخدمة بانتظار الصيانة في بلجيكا.
لقد فوجئت أوكرانيا بهذا التهديد جزئياً بسبب القيود المالية التي تجبرها على المفاضلة بين أولويات البحث والتطوير وشراء الأسلحة. وقد جمّدت أوروبا مليارات الدولارات من الأصول الروسية، ويمكنها تعزيز ردع موسكو بتحويل جزء من هذه الأموال إلى كييف. فالمسألة لم تعد مجرد ابتكار سلاح جديد، بل تطوير دفاع فعال وبأسعار معقولة، بالسرعة التي تفرضها ساحة المعركة.
* جوليان كاي ميلكيور