لكل حقبة في تاريخ البشرية مزاجها الخاص، وفكرتها الكبرى التي تتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى تكاد تصبح تعريفاً للإنسان نفسه.

في اليونان القديمة، كان السؤال فلسفياً؛ خرج سقراط إلى شوارع أثينا يسأل عن الفضيلة والحقيقة وكيف ينبغي للإنسان أن يعيش. وفي العصور الوسطى، أصبح الخلاص والإيمان والأبدية في قلب رؤية الإنسان للعالم، ثم جاءت النهضة، فأعادت الإنسان إلى مركز اللوحة، قبل أن يرفع عصر التنوير من شأن العقل والعلم، وتأتي الثورة الصناعية لتضع الآلة والمصنع والإنتاج في واجهة التاريخ.

وفي القرن العشرين، انقسم جانب كبير من العالم بين الاشتراكية والرأسمالية، واحتدم الصراع حول الملكية والعمل والثروة. كانت المصانع تحتاج إلى يد الإنسان وعرقه وساعات عمله.

Ad

أما اليوم، فقد تغيرت الصفقة.

لم تعد السوق تحتاج إلى يد الإنسان فقط، بل إلى عينيه وانتباهه ورغباته وبياناته. الهاتف الذي نحمله لا يعرض علينا السلع فحسب؛ نحن أنفسنا أصبحنا جزءاً من دورة السلعة.

لوقتنا سعر، ولمعلوماتنا سعر، ولعدد متابعينا سعر. صورنا وآراؤنا حتى لحظات حزننا وفرحنا يمكن تحويلها إلى محتوى، ثم إلى مشاهدات وإعلانات وأرباح. المؤثر لا يبيع منتجاً فقط، بل يعرض جزءاً من حياته، والمنصات لا تتنافس على أموالنا وحدها، بل على دقائق أعمارنا.

والأغرب أننا لم نعد ننتظر من أحد أن يضع لنا بطاقة السعر؛ أصبحنا نفعل ذلك بأنفسنا. نقيس حضورنا بعدد الإعجابات، ونجاحنا بالأرقام، وتأثيرنا بالمتابعين، ثم نعيد تشكيل صورتنا وفق ما تكافئه الخوارزمية.

الرأسمالية القديمة كانت تحتاج إلى ما ينتجه الإنسان، أما اقتصاد التكنولوجيا فيحتاج إلى الإنسان نفسه: انتباهه، عاداته، رغباته، ذاكرته، ووقته.

لكن، ماذا عن الأشياء التي لا تعرف السوق كيف تسعّرها؟

ما ثمن صداقة لا تحقق منفعة؟ معرفة لا تدر مالاً؟ قصيدة لا تحصد إعجاباً؟ ساعة تأمل لا تنتج شيئاً؟ وما قيمة إنسان لا يريد أن يحوّل نفسه إلى مشروع قابل للعرض والقياس؟

والآن، يبدو أننا أمام موجة جديدة؛ صار فيها الابتعاد عن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي نوعاً من الرفاهية. أن تستطيع إغلاق هاتفك، وأن تغيب دون أن تخشى أن ينساك العالم، وأن تعيش لحظة لا تصورها ولا تنشرها ولا تنتظر رأي الآخرين فيها.

ربما تكون هذه الرفاهية بداية استعادة الإنسان لحريته: أن يعيش خارج أعين الخوارزميات، ولو قليلاً، دون أن يُقاس أو يُصنّف أو يُثمَّن.

وربما لم يعد السؤال: كم يبلغ سعر الإنسان؟

بل: هل يستطيع الإنسان أن يعيش من جديد بلا سعر؟