لطالما امتُدحت بعض المجتمعات البشرية، خصوصاً في الغرب، على أنها القدوة والنموذج الأمثل في الأخلاق وسيادة القانون، مستدلين بسلوكيات معينة، مثل: احترام الدور، أو الالتزام بإشارات المرور، أو التقيد بالسرعة المحدَّدة.
ولا شك في أن هذه السلوكيات إيجابية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يدفع الناس إليها؟ أهو اقتناع أخلاقي راسخ، أم خشية من العقوبات والغرامات؟
يبدو أن القانون والعقوبة يمثلان، في كثير من الأحيان، الدافع الأبرز. فبعض تلك المجتمعات، على سبيل المثال، تبنَّت مفهوم دولة القانون، فركَّزت على تنظيم السلوك بالعقوبات والغرامات أكثر من تركيزها على بناء الوازع الديني والقيمي. وأصبح القانون لديهم أداةً لضبط السلوك من الخارج، بدل أن تكون الأخلاق رادعاً نابعاً من الداخل.
غير أن القانون وحده لا يصنع مجتمعاً فاضلاً، إذ قد يلتزم الإنسان به خوفاً من العقوبة، لا اقتناعاً بالصواب. فبعض المجتمعات أباحت الخمور والدعارة والمخدرات، مثلاً، وجعلت لها تنظيماً، لكن هذا التنظيم لا ينسجم مع صورة المجتمع المتحضِّر، وإن كَثُرت قوانينه وتشدَّدت عقوباته.
فالحضارة الحقيقية ليست مجموعة من القوانين الصارمة، بل منظومة متكاملة تجمع بين القانون والأخلاق والقِيم الإنسانية المتوارثة. والقانون، مهما بلغت قوته، يعجز عن معالجة مشكلات الفقر والتشرُّد والانحلال الخُلقي إذا لم يُصاحبه فهم للإنسان واحتياجاته، ورغبة صادقة في إصلاحه واحتوائه.
ومن هنا، فإن المجتمع الذي يجعل القانون رادعه الوحيد قد ينجح في ضبط بعض السلوكيات، لكنه لا يضمن صلاح النفوس واستقامة الضمائر. أما المجتمع الذي يُزاوج بين القانون والقِيم، ويغرس المودة والرحمة والأخلاق الكريمة في أفراده، فهو أقدر على تحقيق استقامة حقيقية تتجاوز مرحلة الخوف من العقوبة!
فالإنسان لا يُصلحه القانون وحده، ولا تردعه العقوبة وحدها، وإنما تُقوِّمه الأخلاق، ويُهذبه الدِّين، وتدعمه قِيم المجتمع. ثم يأتي القانون ليحمي هذه المبادئ وينظمها، لا ليحل محلها.