يفتتح ميلشه حديثه عن الكويت من البحر، حيث ينتقل من الغوص على اللؤلؤ وسفن الخليج إلى أحواض بناء السفن، ويسجل أسماء عدد من أنواعها كما سمعها، منها: البَغْلَة والأوم والجالبوت والسنبوك والشوعي.
ويلفت إلى أن كلمة dhow (الداو)، التي شاع استخدامها في الكتابات الأوروبية، لا تنقل الفروق التي يعرفها أهل البحر بين أنواع السفن وأحجامها واستخداماتها.
حين كان البحر يصوغ الكويت
كان خشب الساج القادم من الهند جزءاً من صناعة السفن الكويتية التي شاهدها، وقد أثارته الطريقة التي يعمل بها القلاليف من غير مخطَّطات هندسية بالمعنى الأوروبي. ويروي أن أوروپياً طلب إلى أحد صُنَّاع السفن أن يُريه تصميماً للسفينة، فأخذ قطعة من الطباشير، ورسم أمامه بضعة خطوط على لوح من الساج. ويعلِّق ميلشه: «تبنى السفينة، إن صح التعبير، بالعين، وتسندها خبرة تمتد خمسة أو ستة آلاف سنة».
ولفت نظره أيضاً معرفة النواخذة بالبحر، فالسفينة الشراعية التي يصفها لم تكن تحمل أجهزة الملاحة الحديثة، وكان النوخذة يعتمد على خبرته بالسواحل والرياح والتيارات والنجوم.
ومن عالم البحر ينتقل ميلشه إلى حكاية رأى فيها دليلاً على الأمانة في التعامل التجاري، فقد وصلت سفينة من بومباي تحمل سبيكتين من الذهب إلى أحد تجار الكويت، فكُلف صبي من طاقمها إيصالهما. ويصفه قائلاً: «حملهما مكشوفتين على كتفيه، ومضى بهما إلى المدينة، يشق طريقه بين جموع السوق حتى بلغ بيت التاجر في الشارع الرئيسي». ولما لم يجد أحداً في المنزل، ترك السبيكتين عند الباب. وعندما عاد صاحب البيت ووزنهما أدرك أن الشُّحنة لا تخصه، فحملها إلى تاجرٍ آخر كان ينتظر ذهباً بذلك الوزن.
اختار ميلشه أن يروي الحادثة في الصفحات الأولى من كتابه، وجعلها من المشاهد التي كوَّنت لديه صورة عن الثقة التي حكمت جانباً من التعامل بين تجار الكويت وأهل البحر.
صور ملونة عن الكويت
التقط ميلشه خلال زيارته للكويت عدداً من الصور الملونة، وأرفقها بتعليقات قصيرة تكشف ما استوقفه في الحياة اليومية، وتظهر فيها صناعة السفن، وبائعات الخضراوات، وتجار السوق، وسوق السمك، وإحدى المدارس الحديثة، وتمنح الصور القارئ مادة بصرية موازية لما سجله في النص. وقد اختار الكاديلاك لتكون الصورة الأبرز في عنوان كتابه، ويكتب عن الشخصية الرمزية التي يسميها «علاء الدين» أن «سيارته كاديلاك، لا أقل من ذلك، ولعلها من أحدث الطرازات»، وقد رأى في السيارة الأميركية علامة ظاهرة على سرعة التغيُّر الذي أحدثته عوائد النفط في الحياة اليومية.
وفي الصفحات التالية يتسع وصفه للكويت، ليشمل مدينة الأحمدي وميناءها، حيث شاهد المساكن الحديثة، والطُّرق، والمنشآت النفطية، والحدائق التي بدأت تظهر في الصحراء.
ومن الأحمدي انتقل إلى الميناء والخزانات والأنابيب والرصيف البحري، وشاهد ناقلات النفط التي ربطت الكويت بأسواق بعيدة. وقد بدت له هذه المنشآت جزءاً من تغيُّرٍ واسع كان يتجاوز السيارة التي اختارها لعنوان كتابه.
أين كانت تذهب أموال النفط؟
عند حديثه عن عوائد النفط يخص ميلشه الشيخ عبدالله السالم الصباح بتقديرٍ واضح، ويكتب: «كان سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح يُعيد النظر في تصريف الملايين التي تأتيه من النفط، فيخصص جانباً منها لما يدفع بلاده إلى التقدُّم مادياً وفكرياً، ويستثمر الباقي في حي المال بلندن، مُستعيناً بأفضل المشورة المهنية».
ويتابع أثر هذا الإنفاق في حياة الناس، حيث كانت مشكلة مياه الشرب حاضرة في الكويت التي عرفها قبل التوسع في التقطير، وقد شاهد بنفسه بائعي الماء، وقرأ عن السفن التي كانت تجلب المياه من شط العرب، وحين وصل إلى محطة التقطير كتب: «لقد حلوا الآن مشكلة مياه الشرب، فبعد قرون من الاكتفاء بآبار لا تعطي إلا ماءً عكراً مالحاً، أنفقوا جزءاً من أموال النفط على بناء أكبر محطة لتقطير المياه في العالم». ويذكر أن طاقتها بلغت نحو مليون غالون يومياً في ذلك الوقت، مع مخطط لزيادة الإنتاج.
وأثار تطوُّر الخدمات الصحية اهتمامه أيضاً، فيذكر المستشفى القائم، آنذاك، ومشروعات التوسع والعيادات والخدمات التي تصل إلى المناطق الصحراوية، ثم يعلِّق: «نشأت الخدمات الطبية في الكويت بالسرعة نفسها التي نشأ بها كل شيء آخر».
التعليم الذي أدهش ميلشه
استوقف التعليم ميلشه على نحوٍ واضح، حيث بدأ حديثه من مرحلة سبقت النفط، ثم انتقل إلى مدارس الخمسينيات، وكتب عن ثلاث مدارس كبرى شُيِّدت بأموال النفط وصمَّمها معماريون إنكليز، وذكر أن تكلفة كل واحدة منها بلغت مليون جنيه. وأضاف: «لا مدارس في أوروبا تُقارن بها، وربما لا يوجد حتى في الولايات المتحدة ما يُضاهيها في فخامتها وسعة تجهيزها».
وسجَّل كذلك وجود مركز للتدريب الفني أُعد لتعليم الكويتيين المهن المتخصصة التي تحتاج إليها صناعة النفط.
وزار ميلشه إحدى المدارس أثناء تفقُّد الشيخ عبدالله الجابر الصباح لها، وفي غرفة الأشغال اليدوية توقَّف الشيخ عند نموذج لسفينة بَغْلَة، وتأمَّل أجزاءها وحبالها.
وسجَّل جانباً آخر من الرعاية المدرسية، فكتب: «كان النظام التعليمي في الكويت يقدِّم أربعة عشر ألف وجبة مجانية كل يوم بمدارس المدينة».
وبعد ما شاهده من حجم الإنفاق على التعليم، كتب عن الشيخ عبدالله السالم عبارة شديدة الإعجاب: «ومن حُسن حظ الكويت أن لها حاكماً لا يعرف الصِغَر في شيء».
سؤال ما بعد النفط
بعد حديثه عن الماء والصحة والتعليم، انتقل ميلشه إلى مستقبل الكويت نفسه، وسأل الشيخ عبدالله السالم الصباح عمَّا سيحدث إذا نضبت آبار النفط أو ظهر مصدر آخر للطاقة يحل محله؟
وينقل جواب الشيخ عبدالله السالم، بقوله: «حين يتوقف النفط عن التدفق، أو يحل محله شيء آخر، سيكون أهل الكويت قد بلغوا من الثقافة مستوى يرفعهم عالياً فوق كثيرٍ من شعوب الشرق الأوسط. وسيُصبحون فينيقيي الخليج، يتاجرون في البلاد الأجنبية بمنتجات الشعوب الأخرى. وستغدو الكويت مدينة هانزية (City Hansa) للعالم العربي، تدع الأعمال الثقيلة لغيرها، وتتاجر في المنتجات المصنَّعة».
الكرامة والضيافة
خرج ميلشه مع سائقه الفلسطيني عدنان عطعوط إلى أطراف المِقوع، حيث توقَّفا عند خيمة بدوية. أراد ميلشه التقاط صور لصاحب الخيمة وأُسرته، وعرض عدنان عليه مبلغاً من المال مقابل التصوير، فرفض الرجل، وحين حاول عدنان إقناعه بأن ميلشه صوَّر شخصيات معروفة، أجابه: «قد يروق لهم ذلك، فإن كان كذلك فأدر سيارتك وارجع وصوِّرهم كما تشاء. أما هنا، فلا».
ترك الموقف أثراً واضحاً في ميلشه، ورأى في رفض الرجل للمال اعتزازاً بالنَّفس لا تُغيِّره قلة ذات اليد. وقد كتب بعد مغادرته أن بعض المواقف تجعل كاتب الرحلة يشعر بالخجل من نفسه، ثم وصف ما صادفه بأنه شيء أصيل لا يُشترى مهما يكن الثمن.
وفي زياراته إلى الخيام توقف طويلاً عند القهوة وآداب تقديمها، وكتب: «لم تكن القهوة عند البدوي مجرَّد ختامٍ لائق للطعام، كانت علامة على أن الضيف مرحَّب به، وأن السلام يظل معه ما دام في خيمة مضيفه». ويشرح طريقة إعدادها وتقديمها وفق السِّن والمكانة.
ويسجل عند الرحيل عُرفاً آخر أعجبه: «تُقبل الهدية من الضيف عند رحيله، لكنهم يميزون بدقة بين الهدية والصدقة».
الكويت من نافذة الطائرة
قبيل نهاية إقامته عاد ميلشه إلى مدينة الكويت مع اقتراب الغروب، فبدت له بوابتها متوهجة بلونٍ ذهبي محمر، ومن الصحراء تدفقت قطعان الأغنام والماعز إلى الأزقة الضيِّقة، واختلط ثغاؤها بأبواق السيارات، فيما وقف شرطي المرور بثيابه البيضاء فوق منصته يحاول تنظيم الحركة، وكانت بعض الأغنام والماعز تنفصل عن القطيع عند بلوغ بيوت أصحابها، فتصعد الدرج، وتدخل من الأبواب التي تنتظرها خلفها أسرها، ثم تُحلب استعداداً لعشاء المساء، وفوق السطوح دوَّى أذان المغرب من مكبرات المساجد، ورأى ميلشه في ذلك المساء كويتاً تجتمع فيها صور الحياة التي ألفها أهل المدينة منذ زمن مع مظاهر المدينة الجديدة التي كانت تتسع أمامه عاماً بعد عام.
وقد غادر الكويت على رحلة الخطوط الجوية العراقية رقم 218 المتجهة إلى البصرة، وعندما ارتفعت الطائرة ودارت فوق المدينة ألقى عليها نظرته الأخيرة، وكتب: «بدت مدينة الكويت كنسيجٍ متشابك من البيوت القديمة، تتناثر بينها بضعة مبانٍ حديثة مهيبة، ولا تزال السقالات تطوِّق معظمها».