ثلاثون ألفاً غير متزوجين تجاوزوا سن الأربعين. قد يبدو الرقم للوهلة الأولى مثيراً للتساؤل، لكنه لا يروي القصة كاملة. فوفقاً لإحصاءات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للمعلومات المدنية، بلغ عدد غير المتزوجين ممن تجاوزوا سن الأربعين نحو 30 ألف شخص، منهم 10.806 من الذكور و19.462 من الإناث. وهي أرقام تستحق القراءة والتحليل بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات السريعة، إذ تفتح الباب أمام تساؤل مهم: هل تعكس هذه الأرقام تغيراً في نظرة المجتمع للزواج، أم أنها تعبر عن ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة يعيشها الأفراد؟

ولا شك في أن الزواج يظل أحد أهم المؤسسات الاجتماعية التي تقوم عليها الأسرة، وقد حظي بمكانة كبيرة في الشريعة الإسلامية لما يمثله من أساس للاستقرار الأسري والتماسك المجتمعي. إلا أن التحولات التي يشهدها المجتمع في أنماط الحياة، والظروف الاقتصادية، ومسارات التعليم والعمل، جعلت قرار الزواج أكثر تعقيداً لدى بعض الفئات مقارنة بما كان عليه في السابق.

غير أن قراءة هذه الظاهرة ينبغي ألا تنطلق من افتراض وجود سبب واحد يقف وراء تأخر الزواج أو عدم الإقدام عليه. فالواقع يكشف عن تداخل عوامل متعددة، تبدأ بالطموحات التعليمية والمهنية، وتمر بالظروف الاقتصادية، ولا تنتهي عند المسؤوليات الأسرية التي قد تفرض نفسها على بعض الأفراد. فهناك من يؤجل الزواج لاستكمال دراسته أو بناء مستقبله المهني، وهناك من تحول الأعباء المعيشية دون تحقيق هذه الخطوة في الوقت الذي يتمناه. كما أن بعض الفتيات يجدن أنفسهن بعد وفاة أحد الوالدين أمام مسؤولية رعاية الأسرة وتربية الإخوة وإدارة شؤون المنزل، فيصبح تأجيل الزواج استجابة لواجبات أسرية فرضتها الظروف، لا تعبيراً عن رفض فكرة الزواج أو العزوف عنها.

Ad

ومن منظور علم السكان، فإن تجاوز سن الأربعين لا يعني بالضرورة العزوف النهائي عن الزواج. فالدراسات السكانية تشير إلى أن نسبة من الأفراد تتزوج في مراحل عمرية لاحقة، كما أن الإحصاءات المنشورة توضح أن نحو 30 في المئة من غير المتزوجين ضمن الفئة العمرية بين 40 و45 عاماً هم من الذكور، مع انخفاض هذه النسبة تدريجياً كلما ارتفع العمر، وهو ما يؤكد أن الزواج لا يزال قائماً وإن اختلف توقيته.

وفي النهاية، من السهل أن تتحول أرقام الزواج إلى عناوين مثيرة، لكن من الصعب أن تختزل واقع المجتمع في إحصائية واحدة. فخلف كل رقم حكاية، وخلف كل حالة ظروف تختلف عن غيرها. لذلك، فإن الحديث عن الزواج في الكويت لا ينبغي أن يبدأ بالأحكام، بل بفهم التحولات الاجتماعية التي أعادت رسم مسارات الحياة لدى كثير من الشباب والفتيات. وفي الوقت نفسه، يبقى الزواج خياراً شخصياً تحكمه ظروف متعددة، إلا أن استقرار المجتمع يظل مرتبطاً بتهيئة بيئة داعمة تساعد الشباب والفتيات على تكوين أسر مستقرة متى توافرت الرغبة والقدرة. ومن هنا، فإن القراءة الموضوعية للواقع، بعيداً عن التهويل أو التهوين، تمثل الخطوة الأولى نحو فهم الظاهرة وصياغة حلول عملية تواكب متغيرات المجتمع الكويتي.