يبدو أن بعض جمعيات النفع العام والنقابات اكتشفت أخيراً أن كلمة «تطوعي» يمكن أن تكون لها معانٍ كثيرة، منها أن تعمل لخدمة المجتمع، وأن تتحمَّل أيضاً فواتيرها وإيجاراتها ورواتب موظفيها «بروح تطوعية»!

هذه الجمعيات والنقابات ليست مجرَّد مكاتب تفتح أبوابها وتغلقها عند انتهاء الدوام، بل هي جزء من منظومة المجتمع المدني، تقوم بأدوار اجتماعية وثقافية ومهنية، وتقدِّم خدمات لمنتسبيها وللمجتمع، وغالباً ما يعمل القائمون عليها بدافع الرغبة في خدمة الناس والمساهمة في تطوير المجتمع.

لكن المفاجأة جاءت عندما توقَّف الدعم المالي المُقدَّم لها، فوجدت نفسها أمام معادلةٍ طريفة: مطلوب منها أن تستمر في أداء دورها، وأن تفي بالتزاماتها المالية، وأن تدفع الإيجار والرواتب والمصروفات... لكن من أين؟

Ad

ربما الحل أن نطلب من المؤجرين أن يتحلَّوا بالروح التطوعية، وأن يتطوعوا بعدم المطالبة بالإيجار، وأن يتطوَّع الموظفون بتأجيل رواتبهم إلى إشعارٍ آخر! أما فواتير الكهرباء والاتصالات، فمن المؤكد أنها ستتأثر كثيراً إذا علمت أن الجمعية تعمل لخدمة المجتمع!

وبعيداً عن السخرية، فإن القضية تستحق النظر بجدية. فالدعم المالي لهذه الجهات ليس مجرَّد مبلغ يُصرف، بل هو وسيلة تساعدها على الاستمرار في أداء رسالتها، خصوصاً أن لديها التزامات ثابتة لا تتوقف بمجرَّد توقف الدعم.

ومن الطبيعي أن تكون هناك ضوابط وآليات للتمويل والمحاسبة والرقابة، فهذا حق أصيل لأي جهة داعمة، بل يعزز الثقة، ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه. لكن في المقابل، فإن استمرار الجمعيات والنقابات في أداء أدوارها يتطلَّب توفير الحد الأدنى من المقومات التي تمكنها من العمل.

ولعل المطلوب اليوم ليس أكثر من حوار هادئ بين الجهات المعنية وهذه المنظمات للوصول إلى آلية تضمن استمرارية العمل وتحفظ المال العام وتساعد الجمعيات والنقابات على الوفاء بالتزاماتها.

فالمجتمع المدني عندما يُطلب منه أن يخدم المجتمع، من المفيد أيضاً أن نُساعده، حتى لا يتحوَّل العمل التطوعي إلى مسابقة في الصبر على الإيجار!

وفي النهاية، تبقى الرسالة بسيطة: ادعموا العمل التطوعي؛ راقبوه... طوروه... وحاسبوه عند الحاجة، لكن لا تطلبوا منه أن يعمل بلا مقومات، ثم بعد ذلك تستغربون عندما يقول: «أنا متطوع، ولستُ ماكينة صراف آلي!».