• كيف تقيّمين الشراكة بين الكويت واللجنة الدولية للصليب الأحمر؟ وما أبرز مجالات التعاون القائمة والفرص التي تتطلعون إلى تطويرها مع المؤسسات الكويتية، لاسيما الهلال الأحمر الكويتي؟
- أرى أن علاقتنا مع الكويت بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية بالمعنى العملي للكلمة. فقد بدأ وجود اللجنة الدولية في دول الخليج من الكويت خلال حرب 1990–1991، ولا يزال البحث عن المفقودين من تلك الفترة مسؤولية إنسانية مشتركة. هذا ملف تعرف الكويت، من تجربتها، أن أثر الحرب على العائلات لا ينتهي عندما تتوقف المعارك، ومن هنا أيضاً جاء دورها في إبقاء قضية المفقودين وحماية المدنيين حاضرتين على الأجندة الدولية.
وما يميز الشراكة الكويتية هو اتساعها وترابط أدوار مؤسساتها. فمع وزارة الخارجية، لدينا حوار استراتيجي منتظم حول الأولويات الإنسانية واحترام القانون الدولي الإنساني. ومع اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني والجهات القانونية، نعمل على تعزيز المعرفة بقواعد الحرب وتطبيقها.
ويمتد تعاوننا مع معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية إلى تدريب القضاة وأعضاء النيابة، فالمعهد أصبح، بموجب مذكرة تفاهم مع اللجنة الدولية، مركزاً إقليمياً لهذا الغرض.
كما اننا نتعاون مع القضاء العسكري في تنظيم دورات للقوات المسلحة حول أحكام القانون الدولي الإنساني، وهذا جزء أساسي من عملنا، ونحرص أيضاً على إشراك الإعلام والجامعات في نقاش إنساني وقانوني مبني على فهم دقيق لما يجري في النزاعات، فحماية الناس تبدأ أيضاً بمعرفة القواعد التي تكفل تلك الحماية.
ثم هناك البعد الذي يلمسه الناس خارج الكويت، فمع الهلال الأحمر الكويتي، تجمعنا علاقة راسخة تقوم على مبادئ إنسانية مشتركة وعلى التزام بالوصول إلى المتضررين من النزاعات. ويتجسد ذلك، مثلاً، في تعاوننا لدعم الرعاية الصحية في السودان. ومع الصندوق الكويتي للتنمية ندعم خدمات المياه والصحة في الصومال.
وتعاوننا مع جمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية، يعكس كيف يتحول تضامن المجتمع الكويتي إلى دعم لخدمات يحتاجها الناس للبقاء على قيد الحياة. وهذه إحدى أهم نقاط قوة التجربة الكويتية: التزام تتشارك فيه الدولة والمؤسسات الإنسانية والمجتمع، وتصل ثماره إلى أشخاص يعيشون أصعب ظروف النزاع.
وهذه هي خصوصية التجربة الكويتية: دولة تستخدم حضورها الدبلوماسي، وخبراتها المؤسسية، ومواردها الإنسانية معاً، وتبقى ملتزمة حتى بالأزمات والملفات التي لا تتصدر الأخبار كل يوم.
• أين وصلت الجهود في قضية الكويتيين المفقودين؟ وهل فتحت التقنيات الحديثة آفاقاً جديدة للوصول إلى إجابات؟
- بعد 35 عاماً على الحرب، لا تزال بعض الأسر تنتظر معرفة ما حدث لأحبائها. قد تتغير أولويات العالم وتظهر أزمات جديدة، لكن السؤال نفسه يبقى بلا إجابة بالنسبة إلى هذه الأسر. ولهذا تظل قضية المفقودين أولوية إنسانية بالنسبة إلينا، ويظل حق ذويهم في معرفة مصيرهم وحاجتهم إلى ذلك في صميم هذه الجهود.
نواصل العمل مع السلطات الكويتية والعراقية وبقية أعضاء اللجنة الثلاثية التي نترأسها، لمتابعة المعلومات وتحليلها، وتبادل الخبرات، ودعم عمليات البحث والفحوص الفنية.
تساعدنا التقنيات الحديثة على الاستفادة بصورة أفضل من المعلومات المتاحة. فمن خلال الجمع بين صور الأقمار الاصطناعية والمسح بالطائرات المسيّرة وتحليل البيانات، إلى جانب إفادات الشهود والسجلات التاريخية، يمكننا تحديد المواقع ذات الأولوية وتوجيه عمليات بحث أكثر تركيزاً.
«جحيم غزة»
• ما الذي يمكن للكويت والمجتمع الدولي القيام به لضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين في غزة؟
- ما يعيشه سكان غزة لا يجوز أن يصبح واقعاً نعتاد عليه. هناك عائلات نزحت مراراً، وأطفال يكبرون بين الخيام والأنقاض، وأشخاص يمضون يومهم في البحث عن مياه نظيفة أو علاج، وآلاف العائلات التي لا تعرف مصير أحبّتها. وقد وصف مديرنا العام بيير كراهنبول ما يحدث هناك بأنه «جحيم على الأرض»، لذلك، المطلوب هو السماح بوصول المساعدات بسرعة ومن دون عوائق، وبحجم يتناسب مع الاحتياجات، وتوفير الظروف التي تتيح توزيعها بأمان وكرامة.
نداؤنا إلى المجتمع الدولي واضح: حجم الكارثة في غزة معروف للجميع، والمطلوب إرادة سياسية تُترجم إلى قرارات تحمي المدنيين وتخفف معاناتهم. وعلى الدول ذات التأثير على أطراف النزاع أن تستخدم نفوذها لإزالة العوائق أمام وصول المساعدات والمعدات اللازمة لإعادة تشغيل المستشفيات وشبكات المياه، بما يتيح للناس استعادة حياتهم بكرامة. ويمكن للكويت مواصلة إسناد هذا الجهد بدعمها الإنساني وحضورها الدبلوماسي، فالمنظمات الإنسانية لا تستطيع وحدها مواجهة تبعات غياب الفعل السياسي.
• كيف تستعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتعامل مع التداعيات الإنسانية المحتملة جراء أي اعتداءات إيرانية جديدة قد تطال مجدداً الكويت ودول الخليج؟
- ما يقلقنا هو أن هذا التصعيد يأتي فوق أزمات أنهكت المنطقة بالفعل، وأن النزاعات تتزايد وتمتد لسنوات، وتتضاعف معها معاناة الناس.
استعدادنا يستند إلى وجودنا في المنطقة وعلاقات العمل مع السلطات وجمعيات الهلال الأحمر. نتابع الاحتياجات مع شركائنا، ونعمل على تعزيز التنسيق والجاهزية الإنسانية، حتى تكون الاستجابة ملائمة لما يحتاجه الناس إذا تدهورت الأوضاع. ويشمل تعاوننا الإقليمي تبادل الخبرات والتدريب في مجالات العمل الإنساني، فيما يتحدد أي دعم إضافي وفق الاحتياجات وبالتنسيق مع الجهات المعنية. والجمعيات الوطنية، ومنها الهلال الأحمر الكويتي، شريك أساسي في هذا العمل.
• ما المخاطر الإنسانية التي قد تنتج عن استمرار التوتر في المنطقة أو تعطل الملاحة؟
- ما يحدث في مضيق هرمز يمكن أن ينعكس على حياة أشخاص يبعدون آلاف الكيلومترات عن المنطقة. فعندما تتعطل إمدادات الوقود والأسمدة، ترتفع الأسعار وتتأثر الزراعة وقدرة الأسر على تأمين غذائها، فالمجتمعات التي تعاني أصلاً من النزاع والفقر تكون قدرتها على تحمّل صدمة إضافية محدودة جداً. وهناك أيضاً مخاطر بيئية، من التسربات النفطية وتلوث المياه إلى الإضرار بالحياة البحرية، وقد تترك آثاراً طويلة الأمد على المجتمعات الساحلية. لذلك فإن خفض التصعيد والمحافظة على سلامة الملاحة يحملان أهمية إنسانية تتجاوز الخليج بكثير. ونخشى أن يؤدي أي تعطّل هنا إلى تفاقم الاحتياجات في مناطق تواجه بالفعل تحديات إنسانية هائلة.
أزمة تمويل حقيقية مع تزايد النزاعات
رداً على سؤال عما اذا كانت المنظمات الإنسانية تواجه تحديات مالية متزايدة مع تعدد الأزمات في غزة واليمن وسورية وغيرها، قالت آن مونتافون: «نعم، نواجه أزمة تمويل حقيقية، في وقت تتزايد النزاعات وتطول مدتها وتتسع احتياجات المتضررين منها».
وأضافت: «ثمة مفارقة مقلقة مفادها ان الإنفاق العسكري يرتفع، بينما تتراجع الموارد المتاحة لتخفيف عواقب الحروب. وبالنسبة إلى الناس، قد يعني نقص التمويل فقدان العلاج أو المياه النظيفة أو المساعدة التي يعتمدون عليها للبقاء. لذلك، فإن الحديث عن تقليص الموازنات هو، في جوهره، حديث عن عواقب تمسّ حياة البشر». وتابعت: «هذا يفرض قرارات صعبة. في أفغانستان مثلاً، اضطررنا إلى تحديد أولويات أكثر صرامة للاستمرار إلى جانب السكان، رغم بقاء الاحتياجات شديدة وتراجع الاهتمام الدولي».
وقالت مونتافون: «لحماية الملفات الأقل حضوراً إعلامياً، فإن طريقة تقديم التمويل مهمة بقدر حجمه. عندما يُخصَّص التمويل بالكامل لأزمة أو مشروع بعينه، تضيق قدرتنا على تلبية احتياجات ملحّة في أماكن أخرى. أما التمويل المرن فيتيح سدّ هذه الفجوات، والالتزامات المبكرة والمستمرة تساعدنا على التخطيط والإبقاء على الخدمات.