قبل 42 سنة، كنت ونائب المدير العام السيد جيرار أورفلي في زيارة عمل مصرفية إلى كوريا الجنوبية، عندما دعانا مدير عام شركة دايوو الكورية الجنوبية لزيارة شركته المتخصصة بصناعة السيارات والشاحنات الضخمة وناقلات النفط، إلى جانب الأجهزة الإلكترونية والإنشاءات وتشييد الطرق. ولأن هذه الشركة لم تكن معروفة في منطقة الخليج، عرض علينا فيلماً وثائقياً عن إنجازاتها، ومن بين المعلومات المذهلة أن أكثر من 35% من أجهزة الإنسان الآلي (الروبوتات) المستخدمة بالمصانع الأوروبية هي من منتجات شركة دايوو. حينها، عرفنا قوة الشركات الكورية تكنولوجياً في منافسة الشركات الأوروبية والأمريكية. فإذا كانت شركة كورية واحدة كانت تزود المصانع الأوروبية بهذا الكم من الروبوتات قبل لأكثر من 4 عقود، فكم شركة كورية أخرى كانت تزود المصانع الأوروبية والأمريكية بالروبوتات، ناهيك عن قدرة الشركات اليابانية والصينية وغيرهما في هذا المجال؟ وإذا كانت الشركات الأوروبية والأمريكية تسرح عشرات الآلاف من موظفيها كل سنة، رغم تحقيقها لأرباح بمليارات الدولارات، فهل بدأوا باستخدام الروبوتات لتقليص النفقات؟ وكم وصلت نسبة مساهمة الدول الآسيوية في صناعة الروبوتات اليوم؟

عندما كنا منشغلون بجائحة كورونا وصلني مقطع فيديو عن استخدام روبوتات بعدة مجالات في الصين واليابان والكوريتين، فظننت أنه ألغي دور الإنسان من قائمة مهن كثيرة. فالصينيون اعتمدوا على روبوتات تتجول في الشوارع بحثاً عن مصابين بفايروس كورونا، فإذا صادف هذا الروبوت إنساناً درجة حرارته مرتفعة، أمر المصاب بالتوقف عن التنقل، وأطلق صافرة الإنذار لابتعاد المارة عن هذا المصاب، والطلب منهم بارتداء الكمامات، ثم يتصل برجال الأمن ليخبرهم عن حالة جديدة مصابة لاتخاذ اللازم، وهناك ريبوتات توزع الوجبات الغذائية على الموجودين في الحجر الصحي. وإذا كان هذا وضعنا قبل ست سنوات، فأين وصل العالم في مجال تطوير الروبوتات اليوم؟

قبل أكثر من 39 سنة (1987) أنتج فيلم (الشرطي الآلي) أو (RoboCop)، الذي تدور أحداثه حول مدينة تعاني من مجرمين وقطاع طرق قاموا بقتل شرطي بوحشية، ثم حولوه بعد عملية جراحية إلى شرطي آلي مدرع غير قابل للتدمير، بعد أن تم دمج تقنيات إلكترونية وميكانيكية بين أعضائه البيولوجية لتحسين قدرات جسده ولتعويض بعض وظائفه المفقودة. اليوم يصرح آيلون ماسك، صاحب شركتي سبيس أكس وتسلا، بأن الذكاء الاصطناعي أخطر بكثير من الأسلحة النووية، فالإنسان هو من اخترع الذكاء الاصطناعي، إلا إن ما فعله الإنسان هو تصميم خوارزميات التعلم، التي تتفاعل مع بيانات مبرمجة داخل الذكاء الاصطناعي لتنتج شبكات عصبية معقدة تكون مناسبة لأداء مهام معينة، حتى وإن كنا لا نفهم بالضبط كيف تقوم هذه الشبكات بهذه الأشياء.

Ad

جهل الكثيرين بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي كثيراً ما يدفع بالذين صنعوه بالأمس، بأن يكونوا خائفين منه اليوم، بل إن الشركات التي قادت سباق تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي قبل سنوات، يتحدثون الآن عن يأسهم من إبطاء هذا الماراثون، لوجود مخاطر تتجاوز إمكاناتهم في السيطرة على قدراته التكنولوجية، بسبب تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على العمل بشكل مستقل وتنفيذ مهام معقدة دون تدخل آدمي. وبينما يحاول الغرب كبح جماح الذكاء الاصطناعي، تقوم الصين بتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، ولهذا، لا نسأل فقط (إلى أين سيتجه سباق الذكاء الاصطناعي بعد ساعة من الآن)، بل: هل بدأ الذكاء الاصطناعي بالتحكم بالإنسان؟