هل انتصر الغرب في الحرب الباردة، وتجنب جحيماً نووياً، بفضل  مشكلة جسدية خاصة لعميل سري مغمور؟

هذه هي الفرضية المثيرة للاهتمام التي يطرحها كتاب جديد للكاتب والصحافي البريطاني بن ماكنتاير. وخلال العقدين الماضيين، أصبح ماكنتاير أحد أبرز المتخصصين في أدب الجاسوسية غير الروائي، إذ وثّقت كتبه قصصاً مذهلة لعملاء، بعضهم مشهور وبعضهم مجهول، ساهموا في تغيير مجرى التاريخ.

أما كتابه الأخير، «ريد وود» (Redwood)، فيروي قصة انشقاق فلاديمير كوزيتشكين، وهو عميل في جهاز الاستخبارات السوفياتية «كي جي بي» كان يعمل في إيران في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بعد سقوط الشاه.

Ad

ما يجعل القصة غير عادية هو أن السبب الحاسم لانشقاق كوزيتشكين كان شخصياً. فقد كان يشعر بخيبة أمل تجاه رؤسائه السوفيات، لكن العامل الذي حسم قراره كان معاناته من «ممارسة واجباته الزوجية «، وهي مشكلة كانت تدمر زواجه الحديث العهد.

وكغيره من الروس في ذلك الوقت، كان يعرف أن الطب الغربي يتفوق بفارق شاسع على الطب السوفياتي، وكان مقتنعاً بأن علاجاً لمشكلته لا بد أن يكون موجوداً في الجانب الآخر من الجدار. وهكذا عرض تقديم معلومات استخباراتية بالغة الأهمية إلى عميل بريطاني في طهران، مقابل وعد بحياة جديدة.

ولا أفسد القصة كثيراً إذا قلت إن لها، مع بعض التحفظ، نهاية سعيدة، ليس لكوزيتشكين وحده، وإنما للغرب أيضاً.

حصل المنشق الروسي على حياته الجديدة واستعاد قدرته  ــ وليس بفضل الطب الغربي، بالمناسبة ــ أما المعلومات الاستخباراتية التي قدمها فكشفت مؤامرة مدعومة من السوفيات في البيئة السياسية المتوترة لطهران عام 1982، كان الهدف منها استيلاء الحزب الشيوعي «توده» على السلطة، بدعم من الدبابات والقوات الروسية.

شاركت بريطانيا والولايات المتحدة هذه المعلومات مع القيادة الإسلامية التي كانت لا تزال هشة، فسارعت إلى إعدام آلاف الشيوعيين الإيرانيين، وطرد عدد من كبار الدبلوماسيين والجواسيس السوفيات، وأعادت العلاقات بين إيران والاتحاد السوفياتي سنوات إلى الوراء. ومنذ ذلك الحين، أحكم آيات الله قبضتهم على البلاد.

ويرى ماكنتاير أن السوفيات ربما كانوا سيتمكنون من السيطرة على إيران لولا المعلومات التي جمعها كوزيتشكين، وهو ما كان سيمنحهم منفذاً حيوياً إلى الخليج العربي ومضيق هرمز.

وكانوا قد فعلوا شيئاً مشابهاً في أفغانستان قبل ذلك بعامين. ولو نجحت مؤامرتهم في إيران، لأصبحوا يسيطرون على رقعة واسعة من منطقة استراتيجية تمتد بين تركيا وباكستان. وكانت الولايات المتحدة تملك خطة طوارئ جاهزة للرد، وربما كانت الأمور ستتصاعد إلى حرب شاملة.

إنها دعوى جريئة عن قصد. والجانب المتشكك في داخلي يتساءل عن مدى احتمال نجاح الروس فعلاً في إيران، بالنظر إلى فشلهم النهائي في أفغانستان، وإلى التفكك الذي كان قد بدأ بالفعل داخل الاتحاد السوفياتي.

لكن حكاية ماكنتاير الحقيقية تقدم تذكيراً آخر مثيراً للاهتمام بجانب مألوف من التاريخ، وإن كان كثيراً ما يجري تجاهله: اعتماد التاريخ على أحداث صغيرة تبدو عشوائية تماماً.

فإلى جانب القوى الكبرى غير الشخصية التي تحرك التاريخ، هناك لحظات تعمل كنقاط ارتكاز، لحظات يمكن لتفصيل صغير فيها أن يغيّر المسار. والتاريخ هو حصيلة التفاعل بين تلك الاتجاهات الكبرى وتدخل الأفراد وأفعالهم.

ولتقوية حلقة الوصل، إذا جاز التعبير، يمكن القول إنه لو اختُرعت «فياغرا» قبل موعد اختراعها بعقد كامل، فربما كان الاتحاد السوفياتي قد حقق اختراقاً استراتيجياً حاسماً وانتصر في الحرب الباردة.

ويختلف وزن كل طرف في هذا التفاعل من حالة إلى أخرى. نحن نعرف أن الحرب النووية بين الولايات المتحدة وروسيا تم تجنبها بفضل الصورة الأكبر: رغبة الطرفين في تجنب الدمار المتبادل المؤكد.

لكننا نعرف أيضاً أنه في عام 1983 كان وجود ضابط روسي برتبة مقدم، يتحلى بحضور ذهن استثنائي، هو الذي حال دون اندلاع الحرب، إذ رفض أن يصدق ما كانت شاشة حاسوبه تخبره به: أن الولايات المتحدة أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات باتجاه روسيا.

ولو أن سيارة الأرشيدوق فرانز فرديناند اتخذت منعطفاً مختلفاً في ذلك الشارع في سراييفو عام 1914، فكيف كان يمكن أن يبدو القرن العشرون؟

وماذا لو تابع المحققون عملية توقيف زكريا موسوي بسبب سلوكه المريب في مدرسة لتعليم الطيران في أغسطس 2001؟

وماذا لو لم يسخر باراك أوباما من دونالد ترامب في عشاء مراسلي البيت الأبيض عام 2011، ولم يشعل بذلك نار الانتقام داخل الرجل؟

يمكننا أن نقول، في هذه الحالات وغيرها، إن شيئاً آخر كان سيحدث، مدفوعاً بالقوى البنيوية الكبرى التي تحرك التاريخ، وإنه كان سيضعنا في النهاية في مكان قريب من المكان الذي انتهينا إليه.

كانت القوى الأوروبية مستعدة للحرب عام 1914، وكان من الممكن أن يؤدي عامل آخر إلى تحريكها. ولو جرى إحباط هجمات 11 سبتمبر، لكان إرهابي آخر أكثر براعة قد تمكن من تنفيذ هجوم مشابه والتسبب في كارثة مماثلة. ولو تجاهل أوباما ترامب في تلك الليلة، لكان مزيج الغضب الشعبي المتزايد من القيادة السياسية وطموح ترامب الهائل قد قاد، على الأرجح، إلى النتيجة نفسها.

لكن هل يمكننا أن نكون متأكدين من ذلك؟

أظن أننا نعطي الأولوية للقوى الهائلة غير الشخصية لأنها تجعلنا نشعر بمزيد من الأمان. فنحن نحب أن نعتقد أن حياتنا تحكمها أسباب يسهل فهمها، وأنها سلسلة من الأحداث الكبيرة والواضحة التي ترتبط ببعضها بمنطق مفهوم.

أما فكرة أن جزءاً كبيراً من السياق التاريخي الذي نعيش فيه اليوم ربما تحدد بأحداث اعتباطية، وقرارات اتُخذت في لحظة، بل وحتى بعيوب شخصية غير محتملة لأشخاص لم نسمع بهم قط، فهي فكرة مزعزعة. إنها تقوض إحساسنا بقدرتنا على التحكم في مصائرنا.

ومن المفيد أن نتذكر أن التاريخ، في بعض جوانبه، يسلك طرقاً غريبة وغير متوقعة، تاركاً إيانا جميعاً عاجزين إلى حد كبير.

* جيرارد بيكر رئيس تحرير وول ستريت جورنال بين عامي 2013 و2018.