في عام 1979 استضافت دولة الكويت، برعاية المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ جابر الأحمد، يرحمه الله، مباحثات سلام ووقف إطلاق النار بين شطرَي اليمن واستكمال الوحدة اليمنية، وذلك بوجود كل من علي صالح، ليمثل «الشمال» وعبدالفتاح إسماعيل ويمثل «الجنوب»، وقد نجحت المفاوضات وكانت خريطة الطريق لتوحيد اليمن.
وتكرر المشهد عام 2016، حين استضافت الكويت محادثات السلام اليمنية بمبادرة من المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ صباح الأحمد، يرحمه الله، وجمعت المحادثات ممثلين عن الحكومة اليمنية الشرعية والحوثيين ووفدًا من جماعة علي صالح (حزب المؤتمر الشعبي)، واستمرت المحادثات مدة طويلة من المفاوضات المتقلبة، حتى أن الشيخ صباح، يرحمه الله، بذل جهوده الدبلوماسية بلقائه كل طرف على حدة، ومحاولاته الحثيثة لإصلاح الوضع بطرق متنوعة، لكنّ التعنت والمماطلة كانا ناجمين بشكل رئيسي من الحوثيين الذين كانوا يتبعون توجيهات النظام الإيراني الذي يسيطر على قراراتهم، واعتمد الحوثيون استراتيجية مشابهة للنهج الإيراني في المفاوضات، والتي تقوم على إطالة أمد التفاوض من خلال المراوغات وتقديم وعود والتراجع عنها وتبريرها، ووضع عقبات تعرقل التوصل الى حلول.
وهذا الأسلوب يعكس النهج الذي تتبعه إيران حاليًا في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، ووفقا لما سبق، استوعبت الحكومة الكويتية أن الحوثيين ليس لديهم قرار مستقل، وقررت ترحيلهم بعد أن تبيَّن أنهم يستغلون كرمها ويتصرفون بطريقة وقحة، حيث كانوا يتسوقون يومياً على نفقة إقامتهم وكأنهم مجموعة من المتسوّلين.
وعلى مدار سنوات طويلة، عانى الشعب اليمني تحت وطأة حكم عصابة مدعومة من إيران، وفي مسعى لإنهاء هذه المعاناة، أطلقت الحكومة اليمنية قبل أيام عملية «فجر اليمن» بدعم مباشر من قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، بهدف تحرير العاصمة صنعاء وجميع المناطق اليمنية التي خضعت لسيطرة الميليشيات الانقلابية، وكان أحد أبرز الإنجازات المبكّرة للعملية استعادة السيطرة على منطقة باب المندب الاستراتيجية، وما أوضحته من أحداث يدعونا الى التفكير والتأمل فيما إذا كان النظام الإيراني يستند في عقليته السياسية الى إرث الفكر الساساني في تعامله مع الدول العربية، وأن صدى معارك ذي قار والقادسية لا يزال يتردد في أحلامهم وحضورهم الوجداني، ويفكرون في كيفية تمكُّن العرب الحفاة العراة مع قلّة إمكاناتهم من القضاء على الإمبراطورية الفارسية، أم أن ما يدّعون من دعم للضعفاء في مواجهة الطغاة هو حقيقة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو معيار هؤلاء الضعفاء وفق قاموس الولي الفقيه؟ أليس المواطنون الإيرانيون الذين خرجوا في احتجاجات سلمية للمطالبة بأبسط حقوقهم الشرعية، وقُتل منهم حوالي 60 ألفاً على يد الحرس الثوري، يُعتبرون مظلومين؟ وإذا ما قامت الدول العربية بالتدخل لدعم الشعب الإيراني بناءً على مبدأ أنهم مظلومون، فما هي ردّة فعل النظام الإيراني؟
ثم أما بعد،
الأيام القادمة ستكون ثقيلة على النظام الإيراني، الذي ينطبق عليه المثل الشعبي «دبور وزَنّ على خراب عشّه».