ودّعنا بالأمس القريب مثالاً نادراً لمكارم الأخلاق وكنزاً من القيم والمبادئ، رجلاً قضى زهرة عمره متنقلاً مرتحلاً بين ربوع وطنه من أدناه إلى أقصاه، لم يعرف الكلل له طريقا ولم يأخذ الملل من حماسته ما أخذ منّا، ولم يركن إلى روتين منتشر أو إلى خمولٍ يستنزف الطاقة أو راحة تُنسي الغاية، حمل في أسفاره هموم تنقّل الملايين وتمهيد الأرض لهم حتى يبلغوا وجهاتهم سالمين آمنين.
إنه الفقيد النجيب المهندس محمد أحمد مهران، الذي كانت حياته من أساس دينه وعنوان كماله وتمام فطرته، ومشاعره الفياضة تعلو وضعه ورفعة مركزه ومكانه، وقلبه أصفى وأنقى من وصف الكلمات، وأخلاقه أسمى مما أصلح وجدد، وإنسانيته تسبق كل ما صنعت يداه.
في كل مدينة حلّ عليها نائب رئيس هيئة سكك حديد مصر وفي كل محطة نزل بها، ترك فوق الجهد، آثار الصدق والتواضع ولين الجانب وعدم التكلف مع بصمات من العطف والودّ ستظل خالدة على مر الزمن.
حبيبنا المهندس الصالح صلاح، عطف علينا صغاراً وقربّنا إليه وصادقنا كباراً، واستمع إلينا ولبّى حاجتنا وسعى علينا بكل أعمارنا، نشهدك يا ربنا أنه أعز أهله وأحبابه وعاش واصلاً لأرحامه، ماسحاً بودّه مساعي من يريد انقطاع، أعطى الفقير وزاد الغني وأعرض عن القيل والقال وكثرة الحديث بلا داع، وتبرأ لسانه من الخوض في الأعراض، وخاصمت نواياه كل ما يعكر الصفاء.
لم يعرف فقيدنا للاستقرار باباً، حقيبته كانت دوماً رفيقة دربه وترحاله، وابتسامته عنوان وداعه ولقائه، جاب الأرجاء تلبية للنداء حاملاً في جعبته الإخلاص والإتقان وفي قلبه وروحه حب التفاني، لعلمه أن «البحر عميق والناقد بصير».
همّه الأكبر كان خدمة الناس في كل مكان، فكم من سكة مهّد وأنشأ ورممّ وكم مشروع شارك فيه وأنهض، وكم من مبادرة قادها وكم من عثرة أزالها، واليوم وقد ودّعناه، فإن ذكراه ستظل حية لدى من سعد بقربه وصحبته وفي كل نفس ارتاحت برفقته ومن كرمه استفادت، وفي كل عين اطمأنت بوجوده ورؤيته وفي قلوب من سلك له كل طريق ليسأل عنه ويسانده.
رحل الحبيب بالجسد، لكن روحه الطيبة ستبقى بيننا وأعماله الصالحة ستظل شاهدة له، وابتسامته الصافية ستظل معنا، وصوته الدافئ في مسامعنا ووصاياه الحكيمة في عقولنا.
رحمك الله يا مهندس الأخلاق، وأسكنك فسيح جناته، فاللهم يا حي يا قيوم يا واسع الغفران، اغفر لحبيبنا وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد.
فاللهم إنّه نَزَل ببابك وأنت خير منزولٍ به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، فاللهم آنس وحشته واجعله في رياض الجنات وأنزل على مرقده الضياء والنور والفسحة والسرور.