في الكويت، يبدو أحياناً أن الشيء الوحيد الذي لا يعاني نقصاً هو الألقاب! دكتور هنا، ومستشار هناك، ومهندس يتصدَّر المجلس، حتى يُخيَّل إليك أننا نعيش نهضةً علمية استثنائية. لكن حين تبحث عن أثر هذا العِلم في الإدارة والخدمات والإنتاج، تكتشف أن بعض الألقاب أكبر بكثير من أصحابها.
والسؤال الذي يجب أن يزعج الجميع: كيف تخرَّج شخص في برنامج جامعي يدرس بلغة لا يفهمها؟ كيف ناقش أستاذه، وكتب بحثه، واجتاز امتحانه؟ هل كانت المعرفة تنتقل إليه بالإيحاء، أم أن هناك مَنْ تكفَّل بالدراسة عنه، وترك له شرف التصوير بالشهادة وتسلُّم المنصب؟ ولنكن دقيقين: أين درس؟ وكيف امتحن؟ وأين تلقَّى تدريبه العملي؟... هذه أسئلة تحقق، لا إساءة إلى بلد أو جامعة، ومَنْ يملك الإجابة لا يحتاج إلى الاختباء خلف الغضب. الفضيحة الحقيقية، متى ثبت التزوير، أن صاحب الورقة لم يكتفِ بتعليقها في بيته، بل دخل بها مؤسسات الدولة، وتقدَّم على المستحقين، وربما أصبح صاحب قرار في مصائرهم.
تخيَّل أن يُقيِّم كفاءتك شخص بنى مكانته على كذبة، أو يحرمك الترقية لأنه سبقك إلى الختم والواسطة! ثم يُقال لنا: تقاعد! وكأن التقاعد غسالة تمحو الماضي، وتُطهِّر المنصب. ينبغي ألا يكون بلوغ سن التقاعد مخرجاً مريحاً لمَنْ ثبت أنه خدع الدولة.
المطلوب استكمال المساءلة وفق القانون، واسترداد ما يثبت استحقاق استرداده، والتحقيق في القرارات والمنافع المرتبطة بالمخالفة. والأهم: أين الذين وافقوا؟ أين الذين عادلوا واعتمدوا ووقعوا؟ لا أقبل أن يتحوَّل حامل الشهادة إلى المتهم الوحيد، فيما تمرُّ سلسلة التواقيع إلى التقاعد بسلام. مَنْ تواطأ يُحاسب، ومَنْ أهمل يخضع للمساءلة، وفق مسؤوليته.
نحتاج إلى مراجعة جديَّة للمؤهلات التي قامت عليها التعيينات والترقيات، تبدأ بالمواقع الأعلى مسؤولية، وفق معايير معلنة، بعيداً عن الانتقائية وتصفية الحسابات. لا حصانة لاسم، ولا استثناء لمنصب، ولا مجاملة لأن صاحب الملف «ولدنا». ونحتاج كذلك إلى اختبارات مهنية حقيقية، تشارك فيها الهيئات والجمعيات المختصة، ومنها جمعية المهندسين، ضمن صلاحيات قانونية واضحة ورقابة مستقلة، وامتحان يكشف المعرفة، وتقييم عملي يكشف القدرة، ومعايير تشمل المواطن والوافد، مع ضمان التظلم.
مَنْ سيعالج الناس أو يصمم مبانيهم يجب أن يثبت أهليته بالفعل. ولا يجوز أن نُعالج فوضى الاعتماد بصناعة احتكار جديد أو بوابة واسطات أخرى. صلاحيات التقييم يجب أن تُقابلها شفافية ومساءلة، حتى لا نستبدل ختماً بختم، ونُبقي المشكلة على حالها.
المطلوب حماية المهنة والجمهور، لا توزيع النفوذ بين الجهات. صاحب الشهادة الصحيحة لا يستحق التشهير، وضعيف الأداء ليس بالضرورة مزوراً. لكن المزور المثبت لا يستحق الستر، ومَنْ حماه لا يستحق الصمت.
بين احترام الأبرياء ومحاسبة المتلاعبين مساحة واسعة للعمل الجاد، تضيع حين تتحوَّل كل مطالبة بالتدقيق إلى حساسية ومجاملة.
كفى تقديساً للألقاب. مَنْ سهر ودرس وتعب يستحق أن نحمي قيمة جُهده، ومَنْ ثبت أنه اشترى مؤهله يجب أن يدفع ثمن فعلته وفق القانون. أما الجهات التي فتحت له الأبواب، فعليها أن تفتح اليوم ملفاتها. «مو كل دكتور دكتور، ومو كل متقاعد خرج من دائرة السؤال».
الشهادة مسؤولية، والمنصب أمانة، والتقاعد ليس صك براءة، والسكوت عن التزوير خُذلان لكل مجتهد.