بعد كل إخفاق أو تراجع رياضي، تضجُّ الشاشات والمنصات الرياضية بحديث المحللين، والنقاد، حتى بعض المسؤولين، الذين يتحدَّثون بنبرةٍ ملؤها الحسرة والإحباط، نتيجة غياب «المشروع الرياضي» في الكويت. ورغم تكرار هذه العبارة، حتى استُهلكت، لم يخرج علينا أحد ليُفصِّل ماهية هذا المشروع، أو يوضح ملامحه، أو يشرح كيف يمكنه أن يُحدث التغيير المنشود.
لو عُدنا بالذاكرة إلى فترة الثمانينيات، فإننا سنجد أن الرياضة الكويتية لم تكن مجرَّد أنشطة ترفيهية، بل كانت إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للدولة، كان الاهتمام يهدف إلى صناعة مكانة مرموقة للكويت في البطولات والاتحادات القارية، لتعريف العالم بهذه الدولة الفتية المتطلعة لوضع بصمتها على الخريطة الدولية.
لم يكن المشروع، آنذاك، رياضياً بحتاً، بل كان مشروعاً نهضوياً شاملاً يستهدف التطوُّر والتميُّز، واستقطاب الكفاءات في الرياضة، والفن، والأدب، والصناعة، وهو ما جعل الكويت رائدة في الخليج، وترساً أساسياً في عجلة النهضة العربية.
اليوم، وعند الحديث عن أي مشروع رياضي حقيقي، يجب أن نطرح على أنفسنا سؤالاً جوهرياً: ماذا نريد بالضبط؟ هل نريد إعادة الكويت إلى الواجهة الرياضية، والاستفادة من تميُّزنا المحلي خارجياً، أم نريد مجرَّد قطاعٍ ترفيهي ينتظر تحقيق الإنجازات بمحض الصدفة؟
إن بناء المشروع الرياضي لن يتحقق بتغيير الأشخاص، أو باتخاذ قرارات عشوائية مبنية على ردود الفعل، بل يبدأ أولاً من قيام الحكومة بتشكيل فريق متخصص يضم نُخبة من المهتمين والخبراء الرياضيين لرسم خريطة الطريق. هذا الفريق سيتولى وضع رؤية استراتيجية واضحة وخطة عمل متكاملة، تبدأ من جذور المنظومة، عبر تأسيس أكاديميات متطورة، وتفعيل التعاون المشترك بين جهات الدولة المختلفة، وتوفير التفرُّغ الرياضي الكامل- على غرار تجربة أكاديمية أسباير في قطر، أو أكاديمية محمد السادس في المغرب، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل الجانب الأكاديمي، عبر تأسيس جامعات تحتضن الرياضيين وتدعمهم علمياً، تماماً كما هو معمول به في نظام دوري كرة السلة للجامعات الأميركي (NCAA).
هذا الربط بين الرياضة والتعليم هو الفصل الأساسي والمفقود في مشروعنا، فهو الكفيل بتبديد مخاوف الرياضيين وأولياء أمورهم من غموض المستقبل، فاللاعب الكويتي اليوم يعيش حائراً بين مطرقة الإبداع الرياضي وسندان المستقبل الوظيفي، وهنا تحديداً يكمن دور «المشروع الرياضي»، الذي يبدأ بفريق الخبراء، وينتهي بتحديد المسار الآمن للمواهب منذ نعومة أظفارهم، ليُصبح الاحتراف أسلوب حياة، لا مغامرة غير مأمونة العواقب.