عزيزي القارئ، إذا صادفت شخصاً يرتدي غترة ذات سبعة، أحدّ من سكين الشيف نصرت، ودشداشة مكوية بضمير، ويمتطي سيارة صينية جديدة موديل السنة، ويحمل في جيبه بطاقة ائتمان تئن من الإفلاس بصوت مخنوق، فلا تندهش أبداً. نحن لسنا أمام ساحر، بل أمام الفرد الأبرز في تشكيلة «الطبقة المتشبثة» الكويتية، وهي الطبقة الاجتماعية الوحيدة في العالم التي تُقرِّر السقوط من أعلى الجبل، لكن على طريقتها الخاصة جداً، وهي تمارس رياضة الهبوط المظلي مغمضة العينين مع التلويح بيدها للجمهور، وكأن شيئاً لم يكن.
قديماً، كانت الطبقة المتوسطة تمثل العمود الفقري لكل مجتمع، وكانت تعرف أين تضع قدميها بالضبط. أما اليوم، ومع طفرات الأسعار وتقلُّص المداخيل، نظراً للعوامل الاقتصادية، فقد قرَّرنا أن نبتكر منطقة وُسطى وهمية نعيش فيها بطريقة «أنا مرتاح، بس الأقساط ذابحتني».
السر العجيب في هذه الشريحة هو إصرارنا العظيم على أن تظل في القمة، ولو على حساب سُحْت المعاش في أيام معدودة، وتقضية باقي الشهر في تناول «جباتي وجبن» في البيت سراً، بعد طلعتين في «الأفنيوز» و«عشا» في مطعم مشهور، و«چكچكة» الصور لزوم «إنستغرام».
تكمن العبقرية الكوميدية في حياتنا اليومية بالكويت في معركتنا الضروس ضد الحقيقة المُرَّة، فإذا تراجعت المداخيل، فهذه مجرَّد «أزمة وتعدي» تستوجب منَّا فوراً شراء أحدث الموبايلات بالتقسيط لمدة ثلاث سنوات، لكي نُثبت للناس ولأنفسنا أننا ما زلنا في قلب الحدث.
نحن لا نخشى الفقر، بقدر ما نخشى نظرة فلان وعلان، إذا رأونا نشرب «جاي كرك» بـ «قلاص جبن»، بدلاً من V60 إثيوبية، أو يمنة بصرة من الدنانير.
للأسف، القشور بالنسبة لنا هي الحياة، والشكليات هي الدين الجديد، والديون هي وسيلة النقل الجماعي التي تجمعنا كلنا في رحلة سعيدة نحو الهاوية.
الأسطورة الحقيقية هي أن هذا التشبث الوهمي يمنحنا سرعة فائقة في السقوط، وكأننا في مسابقة أولمبية غير مرخصة.
فحين تنفق آخر ما تبقَى في جيبك لتدفع فاتورة طاولة في مكان لا يناسب دخلك الحالي، لكي تظهر بمظهر المقتدر، فأنت لا تخدع أحداً سوى رصيدك. المجتمع يعرف، والديون تتحدَّث بصوت عالٍ، ونحن ما زلنا «نتشيحط» وندَّعي الشموخ. لو أننا استثمرنا هذا العناد الأسطوري في العمل الحقيقي، لكنَّا الآن «مستورين بين العربان»، ولكنَّا فضَّلنا- بملء إرادتنا- أن نغرق في شبر مياه من المظاهر الزائفة على أن نرفع الراية البيضاء ونقول بصوتٍ هادئ: لقد تغيَّرت ظروفنا، وعلينا أن نتكيَّف، وإن الطبقة المتشبثة لن تدوم طويلاً.