قبل عقدين من الزمان تقريباً، وفي إطار بحثي عن معلومات تخص حرب البوسنة والهرسك (1992م - 1995م)، حصلت على كتاب لصحافي أميركي، سجّل مشاهد كثيرة من تلك الحرب الطاحنة، ولفت نظري لموضوع مهم يتلخص في السؤال التالي: مَن الأقدر على الصمود أثناء الحرب، أهل المدن أم أهل القرى والأرياف؟

نحن نتابع أخبار المعارك وتحركات الجنود وعدد الضحايا وصور الدمار، ولا نركز كثيراً على وتيرة الحياة اليومية للمدنيين، ولكن بقية التفاصيل المتعلقة بتوافر أسباب الحياة من مأكل ومشرب وأدوية وعلاج وتدفئة وكهرباء وغيرها، لا تجد من يسأل عنها غير الذي ذاق طعم مرارة انعدامها.

عندما تشتعل الحروب، تتحول حياة الناس إلى صراع مرير من أجل البقاء، فالأزمات العسكرية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع البنى التحتية والمجتمعية تحت اختبار صعب، يكشف عن نقاط ضعف وقوة كل من مجتمعي المدينة والقرية.

Ad

وتتسم حياة أهل المدن بالاعتماد الكامل على المنظومات الحديثة، مثل شبكات النقل المتطورة، والأسواق الاستهلاكية الضخمة، والمدينة هنا تعني الوفرة والتنوع، وتعني أيضاً التبعية لشبكات الكهرباء، والماء، والإنترنت، وسلاسل الإمداد الغذائي القادمة من الخارج.

تقع المدن غالباً في قلب الصراع السياسي والعسكري، مما يجعلها عرضة للقصف الجوي والمدفعي الكثيف وحروب الشوارع، وفور انقطاع التيار الكهربائي والمياه الصالحة للشرب، تتوقف سلاسل الإمداد وتفرغ الأسواق والمحال التجارية من بضائعها، لتنهار منظومة الحياة اليومية ويصبح الوضع أشبه بالمجاعة.

في المقابل، تمتاز حياة أهل القرى الزراعية بالبساطة والارتباط الوثيق بالأرض، حيث يدور الفلك اليومي حول مواسم الزراعة والحصاد ورعاية الماشية، ويميل المجتمع القروي إلى الاكتفاء الذاتي النسبي، حيث تنتج العائلات غذاءها بيَدها، وتعتمد على مصادر مياه محلية كالآبار والينابيع.

وهذا الوضع ليس مثاليا كما يبدو، حيث إن قصف الحقول، أو تلغيم الأراضي وسرقة الماشية يؤثر سلباً على مصدر رزق القرويين وغذائهم، ولأن القرى تقع غالباً في مناطق نائية وبعيدة، تصبح عملية وصول المساعدات الإنسانية أو الطواقم الطبية إليها أمراً بالغ الصعوبة عند محاصرتها، وقد تقع بعض القرى على خطوط المواجهة العسكرية، مما يجبر سكانها على ترك أراضيهم وفقدان ميزة اكتفائهم الذاتي.

وبصورة عامة يبقى أهل القرى الزراعية هم الأقدر على الصمود والاستمرارية لفترات أطول أثناء الحروب، لامتلاكهم الأمن الغذائي، فالأرض والماشية توفر لهم الحد الأدنى من القوت اليومي (كالقمح، والخضار، والحليب، واللحوم)، دون الحاجة إلى انتظار شاحنات المساعدات أو استقرار الأسواق، كما تتمتع القرية بمرونة عالية في التعامل مع الحياة دون كهرباء، فالقروي معتاد على إشعال الحطب واستخراج المياه من الآبار، فضلا عن عيشه داخل مجتمع متكافل، خاصة في الأزمات، ورغم هذه الأفضلية النسبية للقرية في الصمود الغذائي والمعيشي، تبقى الحروب مأساة إنسانية تطحن الجميع، ولا تترك مكاناً آمناً بشكل مطلق.

في الختام، هذه دعوة للتفكير في توفير البدائل لاستمرار الحياة خلال الأزمات، فالبشر مهما كانوا متحضرين، يبقون على حافة من التوحش بمجرّد شعورهم بالجوع أو العطش.