يشبه المشهد العلم الأوكراني: حقول صفراء من الذرة ودوار الشمس والقمح، وسماء زرقاء صافية في سبتمبر. نوقف السيارة عند أطراف أحد الحقول، في ظل صف من أشجار الزيزفون.
يقول دليلي، الذي سأطلق عليه اسم «ليون»، وهو جندي في إحدى وحدات قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية المعروفة باسم «طيور ماديار»: «هذه الأشجار مأهولة إلى حد كبير».
تحت أوراق الشجر الكثيفة، يعمل جنود في مكان يبدو كأنه حقل للقرع. لكنهم يجهزون 12 طائرة مسيّرة ذات أجنحة ثابتة بمتفجرات تزن 22 رطلاً.
يقول ليون مبتسماً: «هذه هي الزراعة في أوكرانيا في هذه الحرب».
يصل مدى هذه المسيّرات إلى 250 ميلاً، وهو ما يكفي لتغطية كامل الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا. واليوم ستتجه نحو نوفوازوفسك، بعد أن رصد فريق استطلاع تابع لـ«طيور ماديار» تجمعاً من المركبات الروسية؛ ويصف الجنود الهدف بأنه «لذيذ». ونظراً إلى خطر الاستطلاع الروسي، تتمثل الخطة في «الوصول، والتسليح، والتحليق» بأسرع ما يمكن.
وتخفي الأشجار الكثيفة المسيّرات أثناء تجهيزها، فيما يمكن استخدام حظائر للإطلاق في الشتاء. فعمليات الإطلاق الموزعة وغير اللافتة تجعل من الصعب على الروس التصدي لها.
كانت المسيّرات التي رأيتها مجهزة بمتفجرات قوية بما يكفي لاختراق 11 بوصة من الفولاذ عند الإصابة المباشرة. ويصنع قسم البحث والتطوير في «طيور ماديار» ما يصل إلى 100 ألف رأس حربي شهرياً للضربات قصيرة ومتوسطة المدى، ويوفرها لأكثر من 12 وحدة أخرى.
وتجمع «طيور ماديار» أكثر من 50 طرازاً من المسيّرات، بحيث تتم معايرة كل طراز وفق نوع المسيّرة والهدف المحدد.
وبينما تدور المراوح استعداداً للإقلاع، تهتز كاميرا إحدى المسيّرات، فيتدخل مهندس لضبطها كي يحصل الطيار على رؤية مستقرة.
لكن المسيّرات تصل عموماً وهي جاهزة لتنفيذ المهمة، ويقول قائد ميداني، يستخدم الاسم الحركي «كوستو»، إن ذلك يرجع إلى «التغذية الراجعة المستمرة» مع مطوري الأسلحة الأوكرانيين.
يقول ليون: «قبل عامين، كنا بحاجة إلى وجود طيارينا بالقرب منا». أما اليوم، وبفضل الاتصال بالإنترنت، فيمكنهم قيادة المسيّرات من مسافة مئات الأميال.
يطلعني ليون على نتائج المهمة. ولا تمنح الوحدات نفسها الفضل في تدمير هدف إلا إذا كان لديها دليل مصور.
أسقط الروس مسيّرتين، وفُقدت ثالثة بعد انقطاع الاتصالات، ربما بسبب الحرب الإلكترونية، فيما أخطأت أخرى هدفها.
لكن المسيّرات الثماني المتبقية أصابت أهدافها، فدمرت أربع شاحنات نقل عسكرية روسية وثلاث شاحنات وقود، وألحقت أضراراً بشاحنة وقود أخرى.
يقول الميجور روبرت «ماديار» بروفدي، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية: «نحن نفهم أن الخدمات اللوجستية هي مجرى الدم في الحرب».
في السابق، كان قطع شريان للإمداد اللوجستي يتطلب وضع قوات مشاة على مسافة قريبة بما يكفي لضرب الأهداف بالمدفعية أو زرع الألغام أو تفجير الجسور. أما الآن، كما يقول بروفدي، «فالمسألة تتعلق فقط بتوافر المسيّرات وكميتها».
وتشكل حملة اعتراض خطوط الإمداد إحدى سمات عملية «فيفالدي» التابعة للفيلق الثالث، والتي أحبطت هجوماً روسياً كان يهدف إلى تطويق المعقل الدفاعي الأوكراني الشرقي المعروف باسم «حزام القلاع».
ويظهر دور الضربات متوسطة المدى أيضاً في استهداف منظومات الحرب الإلكترونية الروسية. فبعض هذه المنظومات يعتمد على مولدات كهربائية، ولذلك فإن ضرب إمدادات الوقود يساعد على إضعاف قدرتها.
وتستهدف قوات الأنظمة غير المأهولة كذلك «أسطول الظل» الروسي الذي يُستخدم للتحايل على العقوبات وتهريب النفط. ومنذ يوليو، استهدفت القوات هذه السفن.
وقد يؤدي إغراق ناقلة نفط إلى كارثة بيئية، لكن من السهل إخراج السفينة من الخدمة بضربة مسيّرة تستهدف منطقة حيوية، مثل غرفة المحركات.
ويقول بروفدي إنه حتى 22 سبتمبر، كان جنوده قد حوّلوا 300 سفينة روسية إلى «مخازن عائمة في البحر... غير قادرة على التحرك من تلقاء نفسها».
ويقول إن قواته تحاصر القرم «من دون أن تطأ قدماً واحدة الأرض»، كما خفضت الهجمات على مواقع إطلاق الصواريخ في القرم، بحسب قوله، عدد الصواريخ التي تُطلق من ذلك الاتجاه.
ولو حصلت أوكرانيا على إمكانية استخدام «ستارلينك» فوق الأراضي الروسية لاستهداف قاذفات الصواريخ الأكثر قدرة على الحركة، فإنها ستكون قادرة على تقليص قدرة روسيا على ضرب كييف ومدن أخرى، بحسب بروفدي.
يقول ليون: «الهدف هو إحداث تأثير منهجي، وليس مجرد تعطيل الخدمات اللوجستية».
فالضربات الأوكرانية متوسطة المدى على منظومات الدفاع الجوي تجعل القوات الروسية على الجبهة أكثر عرضة للخطر، كما تفتح ممراً أمام أوكرانيا لتنفيذ هجمات جوية في عمق روسيا.
لكن الروس يتكيفون مع الضربات متوسطة المدى، جزئياً من خلال نقل الرجال والذخائر بشكل خفي داخل مركبات مدنية، وزيادة عدد مجموعات النيران المتنقلة التي تحاول إسقاط المسيّرات الأوكرانية.
وقد حددت قوات الأنظمة غير المأهولة آلاف الأهداف الروسية المحتملة، ولديها أطقم جاهزة للتعامل معها.
لكن المشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى أوكرانيا تظل الإمدادات.
ويقدر ليون أن قوات الأنظمة غير المأهولة لا تملك سوى 14% من المسيّرات متوسطة المدى التي تحتاج إليها.
*عضوة في هيئة تحرير صفحة الرأي في «وول ستريت جورنال» ومقيمة في لندن
*جليان كاي ميلكيور