لا يتولى رئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي رؤساء جُدد كل يوم. إنها مناسبة كبرى للأسواق، حتى لو تجاهلها معظم الناس. تمتد ولاية الرئيس أربع سنوات، لكن معظم الرؤساء بقوا في المنصب فترات أطول، ولا توجد حدود لعدد الولايات. وقد أمضى آلان غرينسبان في الرئاسة فترة مذهلة بلغت «18 عاماً ونصف العام».
يشغل كيفن وورش منصبه منذ مايو، وهو الرئيس الحادي عشر للاحتياطي الفدرالي منذ إعادة هيكلة البنك المركزي عام 1935.
أتذكرون أغنية «Getting to Know You»؟ الأسواق بحاجة إلى التعرُّف أكثر إلى السيد وورش، وهو بدوره بحاجة إلى التعرُّف أكثر إلى الأسواق. هذا أمر طبيعي، لكنه قد يكون أكثر أهمية من المعتاد الآن، لأن وورش يقول إنه يريد للأسواق أن تتولى بنفسها التنبؤ بقرارات الاحتياطي الفدرالي، مع قدرٍ ضئيل جداً أو معدوم من التوجيه الصادر عن البنك المركزي.
فماذا تعلمنا عن قيادة السيد وورش حتى الآن؟ خمسة أمور:
أولاً، يُجيد رئيس الاحتياطي الفدرالي الجديد التعامل مع التلفزيون، ومع الظهور العام عموماً. فهو ودود، حسن التعبير، جذاب أمام الكاميرا، ويتمتع بمهارات اجتماعية قوية.
ثانياً، قد تمتد هذه المهارات إلى التعامل مع دونالد ترامب. أقول «قد»، لأن الوقت ما زال مبكراً. فقد تمكَّن وورش حتى الآن من إدارة رفع واحد لأسعار الفائدة من دون أن يفقد ترامب أعصابه. ونحن نعرف أن الرئيس يريد أسعار فائدة أقل، لا أعلى. لكن التقارير تشير إلى أنه أعطى وورش الضوء الأخضر، بدلاً من أن يرى رئيس الاحتياطي الفدرالي الذي عيَّنه حديثاً يُهزم في التصويت داخل اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة. كان ذلك تصرفاً عقلانياً، لكنه ربما تطلَّب جرعة كبيرة من تلك المهارات الاجتماعية.
ثالثاً، وبصلة وثيقة بالنقطة السابقة، ظل وورش وفياً لجذوره المتشددة فيما يتعلق بالتضخم، رغم مواقف ترامب شديدة الميل إلى خفض الفائدة. فإذا كنت تخشى أن يكون وورش مجرَّد دمية يحركها الرئيس، فيمكنك أن تخفف من هذا القلق الآن.
رابعاً، أوضح وورش أنه يؤمن بالتفويض المزدوج للاحتياطي الفدرالي: التضخم المنخفض، والتوظيف المرتفع. وهذا التفويض يميز الاحتياطي الفدرالي عن العديد من البنوك المركزية الأخرى التي تركز مهمتها على التضخم وحده. وقد رأى منتقدون أن هذا يمثل نقطة ضعف في قانون الاحتياطي الفدرالي.
في بعض تصريحاته الأولى، بدا وورش وكأنه قد يتفق معهم. لكنه أوضح، أولاً في خطابه بمنتجع جاكسون هول في 28 أغسطس، ثم بمؤتمره الصحافي في 16 سبتمبر، أنه يؤمن بالتفويض المزدوج، وأنه سيسترشد به. وهذا أمر يستحق الترحيب.
خامساً، رغم أن وورش قال مراراً إنه لا يريد من الاحتياطي الفدرالي تقديم «توجيه مستقبلي»- أي مؤشرات إلى توجهاته بشأن السياسة النقدية في المستقبل- فإنه واللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة فعلا ذلك بالضبط. والأرجح أن ما يريد تغييره هو طبيعة التوجيه المستقبلي وحجمه، لا إلغاءه بالكامل.
كنت حاضراً في القاعة عندما ألقى وورش خطابه في جاكسون هول، في وقت كانت المراهنات على رفع الفائدة في سبتمبر منقسمة تقريباً بنسبة 50 إلى 50. وقدَّم الخطاب حجة واضحة ومقنعة لرفع أسعار الفائدة. وكانت واضحة إلى درجة أن الأسواق، عشية اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة في سبتمبر، كانت تسعّر احتمالاً يبلغ 92 في المئة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وهو الرفع الذي حدث بالفعل.
وأعتقد أن ما يزعج وورش حقاً ليس «التوجيه المستقبلي» في حد ذاته، لكنه أمر لا يفعله عادة: «إلزام البنك المركزي مسبقاً بقرارات مستقبلية».
لقد فعلت اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة ذلك لفترة من الزمن، عندما كانت تحاول مساعدة الاقتصاد على الخروج من انهيار عام 2008 المالي. فقد تضمَّنت بعض بيانات اللجنة وعوداً بعدم رفع أسعار الفائدة لفترة زمنية محددة. لكن الاحتياطي الفدرالي تخلَّى في النهاية عن هذا النهج. وحتى تلك التجربة توضح أن المخاوف بشأن الالتزام المسبق بالقرارات مُبالغ فيها. فقد استُخدم التوجيه المستقبلي الذي يقول إن أسعار الفائدة ستظل ثابتة حتى تاريخ معيَّن مرات عدة، لكن التواريخ تغيَّرت في إعلانات لاحقة عندما اقتضت الظروف ذلك. لم تكن السياسة النقدية مقيدة فعلياً.
واليوم، تقدم اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة توجيهاً مستقبلياً- من دون أن تسميه كذلك- من خلال «ملخص التوقعات الاقتصادية» الفصلي، الذي يتنبأ بعدة متغيرات رئيسة، من بينها سعر الفائدة على الأموال الفدرالية، على مدى عدة سنوات.
وتتغيَّر هذه التوقعات طوال الوقت. ولا يوجد ما يشير إلى أنها تلزم البنك المركزي بشيء، ولا يكاد أحد ينظر إليها باعتبارها تعهدات. إنها أقرب إلى مجرَّد تخمينات بشأن المستقبل.
في المحصلة، أخرج من الأشهر الأولى للسيد وورش في منصبه وأنا أشعر بأنني تعرَّفت إليه بصورةٍ أفضل. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، واستمرار احتمال رفع أسعار الفائدة، تحتاج الأسواق إلى أن تفعل الشيء نفسه.
*أستاذ الاقتصاد والشؤون العامة بجامعة برينستون. وشغل منصب نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي بين عامَي 1994 و1996.
*آلان إس. بليندر