أثارت عودة الأيديولوجيات الشمولية بين الشباب حيرة كثير من الأذكياء. فهناك الشيوعية على اليسار، وأشكال مختلفة من القوميات العنصرية على اليمين. وأميل إلى تفسيرين؛ الأول، وهو الأكثر وضوحاً، هو فشل نظام التعليم. والثاني أن عقوداً من التراجع في الإيمان الديني بأنحاء الغرب أفرزت جيلاً من الشباب يتوق إلى شيء أكثر بطولة وإشباعاً من تلك الحياة التي يرونها أخلاقياً فقيرة لدى آبائهم وأجدادهم.
يطلب أورليان كرايوتو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إنديانا، من طلابه، لا سيما أولئك الذين يميلون إلى التطرُّف، أن يتأملوا فضائل الاعتدال. وفي كتابه (لماذا لا الاعتدال؟ رسائل إلى الراديكاليين الشباب)، الصادر عام 2023، يحاور كرايوتو شخصيتين متخيلتين؛ لورين وروب، إحداهما تقدمية متعصبة، والآخر يميني شديد الميل إلى التشدد. ويستخدم هذان المحاوران حججاً ظهرت، غالباً حرفياً وبمراجعها، في دوريات يمكن وصفها بحق بأنها غير معتدلة: «جاكوبين» و«إن ذيز تايمز» على اليسار، و«أميركان غريتنس» و«أميركان مايند» على اليمين. ويحاجج كرايوتو بأن الاعتدال يمكن أن يكون مثالاً سياسياً يُضاهي أي أيديولوجيا شاملة في إشباعه الفكري والأخلاقي.
ولكلمة «معتدل» تاريخ مضطرب في السياسة الأميركية. فقد تعني الوسطية في السياسات، أو تعني، على نحو انتقاصي، الميل إلى اتباع الإجماع السائد. كما أنها نسبية بصورة لا تساعد كثيراً: فـ «الديموقراطيون المعتدلون» اليوم هم في بعض الأحيان الليبراليون المتشددون بالأمس، الذين لا يريدون إلغاء الشرطة.
يقول لي كرايوتو، البالغ 60 عاماً، في مكتبه خلال يوليو: «نشأت في رومانيا، بالجانب الخطأ من الستار الحديدي. كنت في الثالثة والعشرين عندما سقط جدار برلين. وهذا وقت مناسب في الحياة للتفكير في أهمية الأفكار، الجيدة منها والسيئة». جاء إلى الولايات المتحدة عام 1993 طالباً للدراسات العليا، وطور تقديراً عميقاً لقدرة النظام الأميركي على الابتعاد عن التطرُّف والبقاء في ذلك الوسط الفوضوي غير المرتب.
ويتألف الاعتدال، كما يشرحه، من ثلاثة عناصر. فهو يسعى إلى إيجاد الوسط بين النقيضين، على طريقة «الأخلاق النيقوماخية» لأرسطو. ويبني المؤسسات التي تجبر الفاعلين السياسيين على التفكير والتوصل إلى حلول وسط، مثل: الضوابط والتوازنات، والفدرالية، ونظام المجلسين، وغيرها. كما أنه ينمي أسلوباً أو روحاً معينة.
يقول: «الاعتدال ليس واثقاً من نفسه أكثر مما ينبغي. هناك انفتاح على التعلُّم من الآخرين. وهناك قدر من الشك، وقبول لحقيقة أنك لا تعرف الإجابات، وإن كنت تبحث عنها».
ويميز كرايوتو الاعتدال عن «الفتور المتردد»، وبطله هو الفيلسوف والصحافي الفرنسي ريمون آرون، الذي «هاجم الأفكار، لا الأشخاص، لكنه عبَّر عن حججه بحزم واقتناع». وعندما أراد مثقفون فرنسيون آخرون، وفي مقدمتهم جان بول سارتر، تجاهل أو إنكار ملايين الذين قُتلوا في روسيا السوفياتية، رفض آرون الصمت، وكتب عن جرائم ستالين بوضوح أخلاقي.
ويقول كرايوتو: «دفع آرون ثمناً باهظاً لقوله الحقيقة. فقد هاجمه أتباع سارتر بشراسة. لكن اعتداله، بهذا المعنى، هو الذي تطلب منه أن يكتب على ذلك النحو».
ويرى كرايوتو أن العلامة الأصدق على الاعتدال هي «الانتقائية»: القدرة على تبني آراء أو مواقف مختلفة تجاه جوانب الحياة المختلفة، حتى لو بدت هذه المواقف متناقضة في نظر أولئك الذين يضعون قيمة عالية للنقاء الفكري.
ويستشهد بوصف عالم الاجتماع الأميركي دانيال بيل لنفسه بأنه «اشتراكي في الاقتصاد، وليبرالي في السياسة، ومحافظ في الثقافة»، وبمقال المفكر والمنشق البولندي ليشك كولاكوفسكي «كيف تكون محافظاً- ليبرالياً-اشتراكياً».
أعترف بأنني أشعر ببعض عدم الارتياح تجاه أمثلته. فأنا أكن إعجاباً عميقاً بكولاكوفسكي، لكنني أرى الاشتراكية نفسها شكلاً من أشكال التطرُّف. ويشير كرايوتو إلى أن كثيرين يرون تناقضاً عميقاً بين اقتصاد السوق الحُرة والآراء التقليدية بشأن الثقافة والأسرة. وقد عُرفت هذه التركيبة في ستينيات القرن الماضي باسم «الاندماجية» (Fusionism)، إلى حد أن البعض كان يرى أن هذين الموقفين متناقضان تماماً. وأنا، رغم تعاطفي مع النظرة الاندماجية، أفهم ما يقصده.
وتتفق حجة كرايوتو بشأن الانتقائية مع العبارة الشهيرة لرالف والدو إمرسون، التي ألمح إليها في كتابه، بأن «الاتساق الأحمق هو غول العقول الصغيرة».
يقول كرايوتو: «العالم شديد التعقيد. لا توجد نافذة مميزة تُتيح لك وحدك فهم الاتجاه الذي يسير فيه. عليك أن تنظر عبر أكبر عدد ممكن من النوافذ. نحن البشر محدودون ومنهكون، ولا نستطيع إدراك العالم بكامل شموله».
حاول اليسار المتطرف، منذ الثورة الفرنسية حتى انهيار الاتحاد السوفياتي، تفسير تعقيدات الحياة من خلال صراع الطبقات. وقد عادت هذه المحاولة من جديد. وفي الآونة الأخيرة، رفضت أجزاء من اليمين التعددية، ونددت بفوضى الدستورية، وطرحت فكرة أن وجود ميتافيزيقا شاملة للحياة أمر مرغوب فيه. وعلى الجانبين، ينخرط كثيرون في معاداة السامية، وهي بدورها طريقة في التفكير تدَّعي تقديم تفسير لتعقيد العالم.
وفي ملاحظة قصيرة عن أصول كتابه، يذكر كرايوتو كتاب كاتب السيناريو والباحث في أدب اليديش ليو روستن (بوق من أجل العقل)، الصادر عام 1970. في ذلك الكتاب الطريف جداً، خاطب روستن شباب جيل طفرة المواليد من الراديكاليين، ما بين يساريين فقدوا إيمانهم بأميركا بسبب حرب فيتنام، ورجعيين أرادوا منع الهيبيين من دخول حرم الجامعات.
غيّر بعض الأسماء، وستجد أن كتاب روستن يبدو وكأنه نُشر في عشرينيات القرن الحادي والعشرين. وهذه تذكرة جيدة بأن المعركة من أجل العقل والاعتدال ليست جديدة، وليست معركة ميؤوساً منها.
*بارتون سوايم