تصاعد في الكويت خلال عام ونصف العام تقريباً نَهَم فتح قنوات التمويل والاقتراض بصورة تدعو إلى التفكّر في كيفية إدارة حزمة الديون المستقبلية الجديدة وكيفية تحويلها إلى منافع وخدمات وقيمة مضافة للاقتصاد؛ كي لا تمثل ضغطاً مالياً أو تؤدي إلى مصيدة «ديون» ذات أبعاد سلبية، وجانب مهم من التفكر مرتبط بالدور الذي يفترض أن تؤديه المؤسسات المهنية والمستقلة في النصح والنقد والتوجيه والتقييم والتقويم. 

فمنذ إقرار قانون التمويل والسيولة في مارس 2025، وما تبعه من اقتراض نحو 12 مليار دينار من البنوك المحلية والأجنبية، بما يوازي خُمس قيمة الناتج المحلي الإجمالي؛ تنامت توجهات فتح مسارات الاقتراض والتمويل من خلال مشاريع القوانين أو الصفقات الاستثمارية مثل صفقة «شاهين» التي أعلنتها مؤسسة البترول الكويتية لتأجير شبكة خطوط الأنابيب المحلية بقيمة إجمالية تبلغ 16 مليار دولار مع تحالف بقيادة صناديق استثمار عالمي، وهي في حقيقتها صفقة «تمويل» طبقتها العديد من شركات النفط الخليجية.

تعزيز القنوات 

Ad

كما صدرت مجموعة قوانين مؤخراً تصب في اتجاه تعزيز قنوات التمويل، التي تتحملها الخزينة العامة، مثل قوانين الاقتراض من صندوق احتياطي الأجيال القادمة التي تتيح الأخذ من الصندوق السيادي كأحد أدوات الاقتراض، وقانون الصكوك الإسلامية الذي ينوع أدوات التمويل الحكومية، وقانون التمويل العقاري بما يحتويه من دعم مالي تضمنه الدولة وتسدد فوائده نيابة عن الشريحة الأساسية المدعومة.

التزامات وتقييم 

والنقاش هنا ليس على القوانين بحد ذاتها أو أغراضها، إنما على كيفية إدارة ملف الالتزامات المالية على الدولة وحوكمتها، فالموقف بشأن هذه القوانين، في نطاقه المالي، هو ذاته الذي يقيّم من خلاله نجاح الدَّين العام أو الاقتراض السيادي المتمثل في كفاءة الإنفاق، وليس فقط حجمه أو كيفية سداده.

وفي المجمل؛ القاعدة أنه عند تقييم أي عملية اقتراض سيادي فإنه يرتبط بمدى قدرة الإدارة العامة على تحويل هذه السيولة إلى منافع واضحة كخدمات ووظائف ومشاريع في إطار خطة اقتصادية واضحة ومعلنة ومتضمنة الأهداف والمؤشرات، وهنا تستلزم الإشارة إلى دور مؤسسة حكومية فائقة الأهمية، هي بنك الكويت المركزي، الذي يرتبط جانب من مهنيته بتقييم السياسات الاقتصادية العامة وأدوات تقويمها.

دور «المركزي» 

فتاريخياً، مثَّل بنك الكويت المركزي دوراً أساسياً في محطات مهمة خلال العقود الماضية بشأن السياسات الاقتصادية العامة وتحولاتها ومحطاتها المفصلية، كدوره الذي سبق، أو تزامن، مع أزمة سوق المناخ من حيث التحذير منها أو تطويق آثارها، كذلك مع فورة ارتفاع أسعار النفط مطلع الألفية وتفاقم انحرافات الإنفاق العام، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 وما تبعها من إجراءات «المركزي» التي حمت النظام المصرفي والمالي في البلاد وخفّفت من تداعياته على الاقتصاد، مروراً بالتفاعل مع صدمة تراجع أسعار النفط عام 2014 حتى جائحة «كورونا» 2020 ناقداً ومقترحاً وناصحاً ومحذّراً بما يتاح له من دور.

توقف وتزامن 

واللافت أن هذا الدور لبنك الكويت المركزي، كان يتخذ جانباً يخاطب فيه الرأي العام كذلك وسائل الإعلام والأكاديميين والمختصين ومثل في أكثر من مناسبة جهداً ملموساً في محاولة ضبط السياسات الاقتصادية حتى وإن كانت طبيعته استشارية، قد توقف بشكل واضح في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع تزامن ارتفاع قيمة الاقتراض الحكومي وتزايد قنواته مع تداعيات الحرب الإقليمية، كالاعتداءات الإيرانية على المنشآت الكويتية ومنها النفطية والخدمية وغيرها، إلى جانب إغلاق مضيق هرمز؛ مما أثر على حجم صادرات النفط وإيراداته وحركة الاستيراد والبضائع واحتمالية ترتّب تبعات عديدة ترتبط مثلاً بالمالية العامة أو بيئة الأعمال، وهذه أوضاع يفترض أنها تتطلب أن يدلي بنك الكويت المركزي، بما راكمه منذ عقود من مهنية واستقلالية، برأيه واقتراحاته وحتى نقده أو تقييمه للأوضاع المالية والاقتصادية.

ارتباط بالنفط

من المهم فهم أن مجمل قنوات الاقتراض التي أقرت في الفترة الأخيرة من قروض سيادية أو استقطاعات من الصندوق السيادي أو صكوك أو تمويل عقاري، كذلك مشروع «شاهين» هي قنوات مرتبطة بمدى استقرار سوق النفط وتنبؤاته الصعبة؛ بالتالي عدم اليقين بشأن عوائده خصوصاً مع اتساع وتيرة اضطنرابات الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية في الإقليم الخليجي بشكل لا يخدم اقتصاد الكويت أو ماليتها العامة؛ هو ما يدعو إلى التعامل مع ملفات الاقتراض السيادي وقنواته بحصافة وتريث أكثر في ظل وجود مؤسسات مهنية ومستقلة كالبنك المركزي تتولى ادوار التقييم والتقويم، فضلاً عن توجيه كل دينار في هذا النطاق، ليس في اتجاه الإنفاق الجاري محدود العائد على الاقتصاد، بل ليخلق فرص عمل جديدة أو خدمة مستدامة أو ينمي عائدات الدولة غير النفطية، ناهيك عن الهدف الأعلى قيمة وأثراً، وهو تنويع حجم الناتج المحلي الإجمالي وزيادته.