للمرة الأولى، لم تعد كثرة المعرفة امتيازاً إنسانياً. ما أمضى الإنسان قروناً يجمعه في الكتب، وعقوداً يتعلمه، تستطيع آلة أن تستحضره وتحلله وتعيد تركيبه في ثوانٍ. لذلك لم يعد السؤال: هل ستتفوق الآلة علينا؟ بل: ما الذي يبقى للإنسان حين تتفوق عليه أداته في المعرفة؟

ربما يبقى أثمن ما فيه: قدرته على الخلق.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج نصاً وصورة ولحناً وحلاً، لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية التي تمنح الأشياء معناها؛ لا يعرف الفقد كما نعرفه، ولا الحب والخوف والدهشة والحلم كما نعيشها. وفي تلك المسافة الغامضة بين المعرفة والتجربة تولد شرارة الإبداع؛ ما يسميه العلم قدرة بشرية، وقد يراه المؤمن أثراً من آثار الروح التي أودعها الله في الإنسان.

Ad

وإذا انتقلت قيمة الإنسان من امتلاك المعرفة إلى القدرة على خلق شيء بها، فإن أول ثورات هذا العصر يجب أن تبدأ من التعليم.

لقد بُنيت المدرسة على اقتصاد قديم للمعرفة: المعلومة نادرة، والمعلم يمتلكها، والطالب يتلقاها، والامتحان يقيس مقدار ما احتفظ به منها. اليوم انهارت ندرة المعلومة، بينما ما زلنا ندرّب أبناءنا على منافسة الآلة في أكثر ما تتفوق فيه.

وبدلاً من أن نخاف على أطفالنا من الذكاء الاصطناعي، علينا أن نصنع مناهج تجعل الذكاء الاصطناعي يخدم عقولهم، لا يحلّ محلها؛ مناهج تجعل السؤال أثمن من الإجابة، والخيال قرين المعرفة، والشك والتحقق والربط والابتكار أدوات للتفكير. فالخطر الحقيقي ليس أن تتعلم الآلة كيف تفكر، بل أن يعتاد الإنسان أن يسلّمها مهمة التفكير.

وسيتغير سوق العمل تبعاً لذلك. حين تصبح أدوات المعرفة متاحة للجميع، لن تكون الأفضلية لمن يمتلك الأداة، بل لمن يرى بها ما لا يراه الآخرون. ولن يكون السؤال الأهم: ماذا درست؟ أو ماذا تعرف؟ بل: ماذا تستطيع أن تضيف إلى ما تعرفه الآلة؟

لكن صناعة جيل أكثر إبداعاً لا تحتاج إلى مناهج جديدة فحسب، بل بيئة تحرر الخيال: قراءة عميقة، وفنون، ولعب حر، وطبيعة، وهدوء، ووقت لا تلتهمه الشاشات.

وهنا تكمن مفارقة عصرنا: لكي نصنع إنساناً قادراً على قيادة أكثر الآلات تطوراً، قد نحتاج أن نعيد إليه أبسط ما سلبته منه الآلة: أن يملّ، ويتأمل، ويمشي بلا شاشة، ويترك لعقله مساحة يتيه فيها.

فالآلة تستطيع أن تمنحنا ملايين الإجابات، أما مهمتنا فهي أن نحافظ في الإنسان على ذلك المكان الحر الذي يولد منه السؤال.

وهناك، سيبقى الإنسان سيد ما صنع.