حين بدأنا العمل في العيادة الوطنية لمرض تكيس الكلى الوراثي، وهي أول عيادة متخصصة ومتعددة التخصصات لهذا المرض في منطقة الخليج، كان هدفنا تقديم رعاية أفضل للمرضى. لكننا أدركنا مبكراً أن الرعاية الجيدة لا تكتمل دون ذاكرة منظمة، فأنشأنا سجلاً وطنياً يوثّق كل مريض وكل زيارة. والسجل المعلوماتي ليس مجرد قاعدة بيانات، بل أداة سريرية وبحثية في آن واحد. ففيه نحفظ البيانات الديموغرافية والتاريخ العائلي، ونتائج وظائف الكلى والأشعة، والفحوصات الجينية، والعلاجات ومدى الاستجابة لها. وقيمته الحقيقية أنه يجمع هذه المعلومات وفق معايير موحدة، فتصبح قابلة للمقارنة والتحليل عبر السنوات. وتتجلى أهمية السجلات أولاً في متابعة المرضى، إذ تتيح رصد تطور المرض لدى كل مريض، وتحديد الأكثر عرضة للتدهور، والتدخل في الوقت المناسب. كما تمنح الجهات الصحية صورة دقيقة عن العبء المرضي الفعلي، فتُبنى الخطط وتُوزَّع الموارد على أساس بيانات لا تقديرات. أما على صعيد البحث والتطوير، فالسجلات هي المادة الخام لأي بحث أو مشروع سريري. وقد تكررت تجربتنا مع سجل متلازمة ألبورت، فكشفت بياناته أن النمط الوراثي السائد لدينا يختلف عمّا تصفه الدراسات الأوروبية. وهي نتيجة تؤكد أن فهم أمراضنا يتطلب بيانات من مجتمعنا، وأن الاعتماد على المراجع الأجنبية وحدها لا يكفي. كما تفتح السجلات الباب للشراكات البحثية الدولية والمشاركة في التجارب السريرية العالمية. من هذه التجربة أقول بثقة: كل عيادة تخصصية ينبغي أن يكون لها سجلها المعلوماتي. فعيادات السكري والأمراض الوراثية والأورام وأمراض القلب وزراعة الأعضاء تستقبل أعداداً كبيرة من المرضى، غير أن معظم هذه الخبرة يبقى حبيس الملفات، ويضيع بانتقال الطبيب أو تغيّر النظام الإلكتروني. ولا يتطلب ذلك إمكانات ضخمة، بل إرادة إدارية، ومعايير موحدة، وكوادر مدربة، وحوكمة تحمي خصوصية المرضى وتضمن موافقتهم المستنيرة. والمطلوب أن يتحول هذا الجهد من مبادرات فردية إلى سياسة مؤسسية مستدامة تدعم تطوير الرعاية الصحية المقدمة.
*أستاذ مشارك علوم طب الجينوم في جامعة الكويت