في الرابع والعشرين من مايو 2017، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 71/288، معلنةً الثلاثين من سبتمبر يوماً دولياً للترجمة، اعترافاً بأولئك الذين يربطون الأمم ببعضها، ويفتحون للحوار أبواباً، وللثقافات طريقاً.

فما أوحش أن يقف الإنسان بين قوم يتحدَّثون عنه ولا يفهم ما يقولون! وما أقسى أن تكون قضية أحدهم معلَّقة على لسان لا يملكه! هنا تكف الترجمة عن كونها فناً ومهارة لغوية، لتُصبح مسألة كرامة وحق. ففي قاعات المحاكم، وأروقة المستشفيات، وخيام اللجوء، وفصول المدارس، قد تكون الكلمة المُترجمة هي الخيط الرفيع الفاصل بين العدل والجور، وبين النجاة والهلاك، وبين الهدى والتيه.

فأي عدالةٍ تلك التي يقف أمامها المرء أبكم، لا يستطيع أن يروي حكايته، ولا أن يفهم ما ينسج حول مصيره؟ 

Ad

إن إيصال القوانين والمواثيق إلى الناس بألسنتهم ليس زخرفة ثقافية تعلق على جدار الحضارة، بل هو أساس المساواة وحجر زاويتها. فالترجمة تُعيد إلى الإنسان حقه في أن يعرف ويشارك ويدافع عن نفسه، وتهدم أيضاً الأسوار الصامتة التي تبنيها اللغة حوله.

واليوم تخطو الترجمة إلى زمنٍ جديد، تقوده عقول اصطناعية تترجم في طرفة عين ما كان يستغرق دقائق طويلة؛ تعالج النصوص الهائلة، وتنقل المحادثات والصور والأصوات إلى مكانٍ آخر. غير أن هذا الضوء الاصطناعي السَّاطع يجعلنا نتساءل: مَنْ يحمل وزر الخطأ إن زلت الآلة في ترجمة تشخيصٍ طبي أو حُكم قضائي؟ وكيف نصون أسرار الوثائق التي نودعها المنصات الرقمية؟ وهل تستطيع الخوارزمية، مهما بلغ ذكاؤها، أن تلتقط سخرية مستترة، أو ألماً مكتوماً، أو رمزاً مغروساً في تربة ثقافة، أو ذاكرة تسكن ما وراء الحروف؟ إن الآلة قد تنقل العبارة، لكنها لا تبصر دائماً ما خلفها، وقد تحكم القواعد، لكنها لا تشعر بثقل كلمة يتلفظ بها لاجئ فقد وطنه، ولا برجفة شهادة ترويها ضحية عنف، ولا بخطورة مصطلح واحد قد يقلب مصير إنسان رأساً على عقب.

إن مستقبل الترجمة عهد تكامل بين الإنسان والآلة. فالغد يحتاج مترجماً بشرياً جديداً، تجتمع فيه مهارة اللغة، وحذق التقنية، ويقظة الضمير الحقوقي؛ مترجماً يُحسن استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، ويمحص مخرجاتها، ويصون خصوصية النصوص، ويأبى أن يختزل الإنسان في أرقام وبيانات. كما يحتاج إلى معايير واضحة تضبط استخدام الترجمة الآلية، لا سيما في ميادين القانون والطب والدبلوماسية، لتبقى المراجعة البشرية المتخصصة صمام الجودة وضمانة العدل.

* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية