قد تبدو حاسة الشم بسيطة؛ نشم رائحة جميلة فنستمتع بها، أو رائحة كريهة فنبتعد عنها. لكن هذه الحاسة الصغيرة تؤدي أدواراً أكبر بكثير مما نتصور، فهي لا تساعدنا على تمييز الروائح فقط، بل تشارك في تذوق الطعام، واستحضار الذكريات، والتأثير في المشاعر، واكتشاف بعض الأخطار من حولنا.
عندما نفقد الشم... يتغير طعم الطعام
ربما لاحظ كثيرون ذلك أثناء الإصابة بالزكام أو التهاب الجيوب الأنفية: الطعام موجود، واللسان يعمل بشكل طبيعي، لكن النكهة تبدو مختلفة أو باهتة.
والسبب أن اللسان لا يقوم وحده بتكوين ما نسميه «النكهة»، فهو يميز المذاقات الأساسية، بينما تضيف حاسة الشم جزءاً كبيراً من التفاصيل التي تجعل للطعام رائحته ونكهته المميزة.
ولهذا قد يشعر المريض الذي يعاني من انسداد الأنف بأنه فقد «طعم» الطعام، رغم أن حاسة التذوق لديه قد تكون سليمة.
رائحة واحدة... وذاكرة كاملة
ومن أكثر ما يميز حاسة الشم ارتباطها الوثيق بالذاكرة والمشاعر.
قد تمر بنا رائحة عطر معينة، فنجد أنفسنا نتذكر شخصا لم نره منذ سنوات. وقد نشم رائحة طعام فتعود بنا فجأة إلى منزل الطفولة، أو إلى مناسبة قديمة، أو إلى مكان ظننا أننا نسيناه.
وهذا ليس مجرد مصادفة؛ فالمعلومات المرتبطة بحاسة الشم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمناطق في الدماغ تشارك في الذاكرة والانفعال.
لذلك قد لا تعيد الرائحة إلينا صورة الماضي فقط، بل قد تعيد معها شيئًا من المشاعر التي عشناها في تلك اللحظة.
أحيانًا، لا تحتاج الذاكرة إلى صورة... تكفيها رائحة.
حاسة إنذار لا ننتبه إليها
للشم وظيفة أخرى تتعلق بالسلامة. فرائحة الدخان، أو بعض الغازات، أو الطعام الفاسد، قد تكون إشارات تحذيرية تساعدنا على تجنب الخطر.
ولهذا فإن فقدان حاسة الشم لا يعني فقط فقدان متعة العطور أو الطعام، بل قد يفقد الإنسان وسيلة طبيعية تساعده على اكتشاف بعض المخاطر المحيطة به.
كما أن استمرار فقدان الشم قد يؤثر في جودة الحياة، خصوصًا عندما يفقد الإنسان جزءًا من متعته بالطعام والروائح اليومية.
وهل للرائحة علاقة بالآخرين؟
للشم حضور في حياتنا الاجتماعية أيضًا. فرائحة الجسم والعطور والروائح المحيطة بنا يمكن أن تؤثر في الانطباعات والمشاعر والتفاعل بين الأشخاص. وقد بحث العلماء كذلك في احتمال وجود علاقة بين بعض الروائح الطبيعية للإنسان والتفضيلات الاجتماعية والبيولوجية.
لكن هذا المجال لايزال محل بحث، ونتائج الدراسات ليست متفقة في جميع تفاصيلها، ولذلك لا يمكن اختزال الانجذاب أو اختيار شريك الحياة في حاسة الشم وحدها.
«إني لأجد ريح يوسف»
وعندما نتحدث عن قوة الرائحة وعلاقتها بالإنسان، لا يمكن أن نغفل المشهد المؤثر في سورة يوسف، حين قال يعقوب عليه السلام: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]
آية كريمة تحمل مشهدًا إنسانيًا عميقًا؛ يعقوب عليه السلام يجد ريح يوسف قبل وصول البشير بخبره.
وقد تناول المفسرون هذه الآية في إطارها التفسيري والإيماني، ولذلك لا ينبغي تحويلها إلى «تفسير علمي» أو القول إن العلم الحديث يفسر بصورة قاطعة ما ورد فيها.
لكنها تفتح لنا بابًا للتأمل في طبيعة هذه الحاسة العجيبة؛ فالرائحة ليست مجرد معلومة تصل إلى الدماغ، بل يمكن أن ترتبط بالذاكرة والعاطفة بصورة شديدة القوة.
وربما لهذا السبب تستطيع رائحة واحدة، في حياتنا اليومية، أن تستحضر إنسانًا أو مكانًا أو لحظة كاملة من الماضي.
التهاب الجيوب... أكثر من مجرد انسداد
من هنا نفهم أن اضطرابات الشم ليست مشكلة بسيطة دائمًا. فالمريض الذي يعاني من التهاب الجيوب الأنفية المزمن أو غيرها من أمراض الأنف قد لا يعاني فقط من انسداد أو صعوبة في التنفس.
قد تتأثر قدرته على الاستمتاع بالطعام، وعلى الاستمتاع بالروائح، وعلى اكتشاف بعض الأخطار، وقد تتأثر جودة حياته بصورة واضحة.
ولهذا فإن علاج أمراض الأنف والجيوب الأنفية لا ينبغي أن ينظر إلى الأنف باعتباره مجرد ممر للهواء، فالأنف أيضًا بوابة لحاسة تصل بين البيئة والدماغ، وبين الطعام والذاكرة، وبين الرائحة والمشاعر.
نصيحة أخيرة
إذا لاحظت فقدانا مستمرا أو مفاجئا لحاسة الشم، فلا تتجاهله، خاصة إذا استمر بعد زوال الزكام أو انسداد الأنف، واستشر طبيب الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة لمعرفة السبب.
فالشم ليس مجرد إدراك للرائحة؛ إنه جزء من ذاكرتنا، ونكهة طعامنا، ومشاعرنا، وسلامتنا. إنها حاسة تتجاوز حدود الأنف.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة- معهد الكويت للتخصصات الطبية
باحث، قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري