منذ الجاهلية والعرب فطاحلة اللغة، بلغوا ذروة الفصاحة، وتبحَّروا فيها، وأدركوا أوجها، افتخروا وتقارعوا فيها، فنظموا شعراً خلَّده التاريخ، وعلَّقوه على أستار الكعبة، تعظيماً له، كمعلقات امرئ القيس وعنترة وابن كلثوم وآخرين، بيد أنهم قالوا الشعر على خمسة عشر بحراً من دون أن يعرفوا ذلك أو يصنفوه، فأتقنوا وزن الأبيات وألفاظها، بما يملكونه من ذوقٍ وسجية وأُذن حساسة تُميز الصحيح من المكسور وما يخل بفطرة اللغة، حتى جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي بالقرن الثاني الهجري، واكتشف فطرة العرب الشعرية، فسميت علم العروض، وهي الأوزان الخمسة عشر التي تترتب عليها إيقاعات الشعر العربي وبحوره، ومنها: الطويل، والوافر، والكامل، والهزج، والرجز، وغيرها، وبعد الخليل اكتُشف بحر المتدارك.
وتأتي صعوبة الشعر العربي التقليدي، إلى جانب انضباطه على بحور متقنة الوزن والتفاعيل، من تطلُّبه مَلَكة لغوية عميقة وبلاغة الاستعارة والكناية والتعقيد النحوي، حتى جاء القرنان التاسع عشر والعشرون، فظهرت أنماط من الشعر الحديث، الذي انفصل عن التقليدي، كشعر حافظ إبراهيم، وأبي ريشة، وقاسم الشابي، وأحمد شوقي، إضافة الشعر الحُر، الذي أطلق العنان للأوزان والقوافي وشِعر التفعيلة وعدم التزامه بشطرين متساويين، واعتمد شعراؤه على الصور الشعرية، وأبدعوا فيها، حتى بلهجتهم المحلية البسيطة، فجسَّدوها وكأنك بمشهد سينمائي، فأعطوا روحاً للجماد، ووصفوا عناصر الطبيعة، مثل قول أحمد رامي: «والموجه تجري ورا الموجه عايزه تطولها»، وما يُشابهها بقصائد الحُب واللوعة، فلاذ إلى أشعارهم ملحنو ومغنو القرن العشرين وأبدعوا فيها، كعبدالوهاب والموجي والسنباطي مع أم كلثوم، وكذلك فريد الأطرش وعبدالحليم، وكثيرين لا يتسع المقال لذكرهم، فكم رأبوا صدع قلوب العشاق والحيارى، وكم شفوا بها مهج العذارى؟!
في الحقيقة، لم يكن مقال اليوم عن الشعر، بل كان عن سرقة علمية مدوية بكتاب يدرس في إحدى الكليات الأدبية، وليعذرنا متابعونا الذين اعتادوا على دسامة المواضيع، فقد شد انتباهنا الأسبوع الماضي قصيدة لأحد قامات الشعر الحُر، نزار قباني، بأعجوبة نظمه وإبداع صوره الشعرية وعذوبتها رغم بساطة مفرداتها. ونحن كأي متلقٍّ للشعر وطاعميه منذ الصغر، يحق لنا الانتقاد، كغيرنا، والانتقاد لا يعني الطعن، كما فعل أحد النقاد الخليجيون، الذي جرَّح نزار، فقال عنه: ليس بشاعر، لكننا ننتقد نزار لأن لعيون الجميلات مكانة أبدع فيها الشعر العربي، وكانت أول كلمة كتبناها بأول محاولة شعرية قبل أربعة عقود: «عيناكِ تغني عينايَ»، وكذلك بآخر أبيات قلناها:
يا من تداوي مقلتاه وتوجـــــــع وتسلّ سيفاً فوق سود المدامع
وتزجّ في سجن العيون جفونها وتشدّ فيك الروح قبل الأضـلع
فطربت من شدّ الوثاق لأننـــي أصبحت بين أصابعها إصبـــع
ولكن نزار الذي أسر القلوب بقصيدة:
متى ستعرف كم أهواك يا رجلاً أبيع من أجله الدنيا وما فيها
وغنتها نجاة الصغيرة، أخطأ في صورته الشعرية ومحاولته أن تحقق الحبيبة المستحيل لحبيبها، بقوله:
لو تطلبُ البحر في عينيكَ أسكبه أو تطلبُ الشمس في كفيك أرميها
فلما سمعنا الأغنية مصادفة الأسبوع الماضي، لم ننفك نعتب على نزار قباني! فكيف سيجعلها نزار تسكب ماءً مالحاً في عينَي حبيبها، وتضع الشمس الحارقة في يديه، وهل سيتحمَّل حبيبها هذا التعذيب؟! لقد كان أولى أن يسكب نهراً عذباً، أو يرمي قمراً على سبيل المثال... إلا أنه، وبرأينا المتواضع، زلّ... فأخطأ نزار قباني!
***
إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.